البدء والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها ، وقرأ أبو عمرو بالهمزة ، وانتصابه بالظرف على حذف المضاف أي وقت حدوث بادي الرأي والعامل فيه اتبعك وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرهم ، فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم ، والمحروم منها أرذل .
وَما نَرى لَكُمْ
لك ولمتبعيك
عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
يؤهلكم للنبوّة ، واستحقاق
شرح
فمعناه أوّل الرأي بمعنى أنه صدر من غير روية ، وتأمّل أوّل وهلة وأمّا الثاني فيحتمل أنّ أصله ما تقدّم ، ويحتمل أن يكون من بدا يبدو كعلا يعلو علوّا ، والمعنى ظاهر الرأي دون باطنه ، ولو تؤمل لعرف باطنه وهو في المعنى كالأوّل ، وعلى كليهما هو منصوب على الظرفية ، والعامل فيه قيل نراك أي ما نراك في أوّل رأينا أو فيما يظهر منه ، وقيل اتبعك ، ومعناه في أوّل رأيهم أو ظاهره وليسوا معك في الباطن أو اتبعوك من غير تأمّل وتثبت ، وقيل العامل فيه أراذلنا ، والمعنى أنهم أراذل في أوّل النظر ، وظاهره لأنّ رذالتهم مكشوفة لا تحتاج إلى تأمّل وفيه وجوه أخر مفصلة في الدرّ المصون . قوله : ( وانتصابه بالظرف على حذف المضاف الخ ) قد علمت أنه إذا كان ظرفا ما ناصبه لكنه قيل إنّ نصبه على الظرفية يحتاج إلى الاعتذار عنه فإنه فاعل ليس بظرف في الأصل فقال مكيّ إنما جاز في فاعل أن يكون ظرفا كما جاز في فعيل كقريب ، وملىء لإضافته إلى الرأي ، وهو كثيرا ما يضاف إليه المصدر الذي يجوز نصبه على الظرفية نحو أمّا جهد رأيك فإنك منطلق ، وقال الزمخشريّ : أصله وقت حدوث أوّل رأيهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وقيل إنّ بادي مصدر على فاعل منصوب على المفعولية المطلقة ، والعامل فيه ما تقدّم وفيه وجوه أخر ذكرها المعرب ، وقيل على تقدير المصنف ، والزمخشري أنّ تقدير الوقت ليكون نائبا عن الظرف فينتصب على الظرفية ، وأمّا تقدير الحدوث فلا داعي له على تفسيري بادي أمّا إذا كان بمعنى أوّل فلأنّ وقت أوّله هو وقت حدوثه ، وأمّا إذا كان بمعنى ظاهر فوقت ظاهر الرأي ، وإن اتسع وقت لاتباعهم ، وقد عرفت مما مرّ أنّ اسم الفاعل لا ينوب عن الظرف وينتصب ، والمصدر ينوب عنه كثيرا فأشاروا بذكره إلى أنه متضمن معنى الحدوث في معنييه فلذا جاز فيه ذلك ، وليس مرادهم أنه محذوف ، وما ذكروه هنا من أنّ الصفات لا ينوب منها عن الظرف إلا فعيل من فوائدهم الغريبة ، وعليهم الاعتماد فيه لكنه غير مسلم لأنّ فاعلا وقع ظرفا كثيرا كفعيل فإنّ من أمثلته خارج الدار ، وباطن الأمر وظاهره ، وهو كثير في كلامهم فإن قلت ما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى يشكل بأنّ ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا إذا كان مستثنى منه نحو ما قام إلا زيدا القوم أو مستثنى أو تابعا لأحدهما كما فصله المعرب ، وغيره فلذا تكلفوا لاعرابه وجوها قلت قالوا إنه يغتفر ذلك في الظرف لأنه يتسع فيه ما لا يتسع في غيره ، والرأي جوّزوا فيه هنا أن يكون من رؤية العين أو من الفكرة والتأمّل . قوله : ( وإنما استرذلوهم لذلك ) أي عدّوهم أراذل