والاستثناء من الإنسان لأنّ المراد به الجنس ، فإذا كان محلى باللام أفاد الاستغراق ، ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعل الاستثناء منقطعا
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ
تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك ، وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردّهم واستهزائهم به ، ولا يلزم من توقع الشيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه لجواز أن يكون ما يصرف عنه ، وهو عصمة الرسل من الخيانة في الوحي ، والتقية في التبليغ
وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
وعارض
شرح
عنه فلذا فسره في الكشاف بقوله إلا الذين آمنوا فإنّ عادتهم أن نالتهم رحمة أن يشكروا وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا فلهذا حسنت الكناية به عن الإيمان وأمّا دلالة صبروا على أنّ العمل الصالح شكر لأنه ورد في الأثر الإيمان نصفان نصف صبر ، ونصف شكر ، ودلالة عملوا الخ على أنّ الصبر إيمان لأنهما أخوان في الاستعمال فغير مطابق لما نحن فيه إلا أن يراد وجه آخر كأنه قيل إلا المؤمن الصالح الصابر الشاكر ، وهو وجه لكن القول ما قالت حذام لأنّ الكناية تفيد ذلك مع ما فيها من الحسن ، والمبالغة كذا أفاده المدقق في شرحه ، وكلام المصنف رحمه اللّه تعالى لا يخالفه فما قيل إنّ المسلم يثق باللّه أن يعيد نعمه إن زالت ، ولا يغتر بالنعم بل يشكر لعلمه أنها من فضله بخلاف الكافر ، وهذا باعتبار الأغلب ، وأنه من شأنهم فلا يضر تخلفه في بعض الأفراد كما توهم ، ثم قال إنّ قوله إيمانا ، وشكرا إشارة إلى أن تعبير جار اللّه له بالإيمان ليس كما ينبغي غير مسلم ، ووصفه الأجر بالكبير لأنه مخلد مع ما معه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ولذا قال أقله الجنة ورضوان من اللّه أكبر ، واختاره على عظيم لرعاية الفاصلة . قوله : ( والاستثناء من الإنسان الخ ) إشارة إلى أنّ اللام للجنس ، والاستغراق من شعبه فيحمل عله حيث لا عهد ومن حمله على الكافر جعله للعهد لسبق ذكره فيكون الاستثناء منقطعا . قوله : ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ) لما كان الترجي يقتضي التوقع ، وتوقع ترك التبلغ لما أمر بتبليغه أو التواني للتقية ، ونحوها مما لا يليق بمقام النبوّة قيل في الجواب عنه لا نسلم أن لعلّ هنا للترجي بل هي للتبعيد فإنها تستعمل لذلك كما تقول العرب لعلك تفعل كذا لمن لا يقدر عليه فالمعنى لا تترك ، وقيل إنها للاستفهام الانكاري كما في الحديث : « لعلنا أعجلناك » « 1 » وإن سلم فهو لتوقع الكفار فإنه قد يكون لتوقع المتكلم ، وهو الأصل لأنّ معاني الانشاآت قائمة به ، وقد يكون لتوقع المخاطب أو غيره ممن له تعلق ، وملابسة بمعناه كما هنا فالمعنى أنك بلغ بك الجهد في تبليغهم أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه ، ولو سلم أنّ المتوقع منه هو النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يلزم من توقع الشيء وقوعه ، ولا ترجح وقوعه لوجود ما يمنع منه وعلى هذا اقتصر المصنف رحمه اللّه
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 180 ومسلم 345 - 83 وابن ماجة 606 وأحمد 3 / 21 وابن حبان 1171 وابن أبي شيبة 1 / 89 والطيالسي 1 / 59 والبيهقي 1 / 165 في « السنن » كلهم من حديث أبي سعيد الخدري .