تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي
أي المصائب التي ساءتني
إِنَّهُ لَفَرِحٌ
بطر بالنعم مغترّ بها
فَخُورٌ
على الناس مشغول عن الشكر والقيام بحقها ، وفي لفظ الإذاقة ، والمس تنبيه على أنّ ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنوذج لما يجده في الآخرة ، وأنه يقع في الكفران ، والبطر بأدنى شيء لأنّ الذوق إدراك الطعم ، والمس مبدأ الوصول
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
على الضرّاء إيمانا باللّه تعالى ، واستسلاما لقضائه
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
شكرا لآلائه سابقها ولاحقها
أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم
وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
أقله الجنة ،
شرح
الشدّة وعكسه لا الفعل الاصطلاحيّ يعني أنّ اختلافهما في التعبير حيث بدأ في الأوّل باعطاء النعمة ، وإذاقة الرحمة ، ولم يبدأ في الثاني بإذاقة الضرّ على نمطه تنبيها على سبق رحمة اللّه على غضبه ، وقيل المراد أذقنا ومست ، واختلافهما تخصيص الأوّل بالنعماء ، والثاني بالضراء ، والنكتة تغليب جانب الرحمة ، ولا يخفى أنّ ذكره بعيدا يأباه . قوله : ( أي المصائب التي ساءتني ) المصائب جميع مصيبة ، وكان القياس فيه مصاوب لكنهم شبهوا الأصلي بالزائد ، وقول الخليل إنه الخطأ الواضح مراده هذا لكنه تسمح في تعبيره ، وقوله ساءتني يشير إلى أنّ السيئة هنا من المساءة ضدّ المسرّة لا بمعنى الخطيئة ، ومعنى ساءتني فعلت بي ما أكره . قوله : ( بطر بالنعمة مغترّ بها ) فرح كحذر بمعنى فاعل حول للمبالغة والفرح أكثر ما يرد في القرآن للذم فإذا قصد المدح قيد كقوله :فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[ سورة آل عمران ، الآية : 170 ] . قوله : ( تنبيه على أنّ ما يجده الإنسان في الدنيا الخ ) وجه التنبيه ظاهر لأنّ المس أوّل الوصول ، والذوق ما يخبر به الطعوم فمحن الدنيا لسرعة تقضيها للمؤمن كلا شيء ولغيره أنموذج لما بعده ، ولذا قد يقصد بذلك المبالغة لاشعاره بأنه مقدّمة لغيره ، والتنبيه الأوّل محصله الإشارة إلى أنها أنموذج ما بعدها ، وقوله وأنه يقع معطوف على أنّ ما يجده ، وهذا تنبيه على عدم صبر الإنسان ، وأنه يتحوّل بأدنى شيء من الخير والشر وليس ابتناء الثاني على أنّ المراد أدنى ما يطلق عليه اسم الذوق ، والمس والأوّل على خلافه ، وأنه محمول على أصل وضعه كما توهم . قوله : ( كالأنموذج ) قيل عليه أنه قال في القاموس : النموذج بفتح النون معرب ، والأنموذج لحن قلت هذا لم تعرّبه العرب قديما ، وما ذكره في القاموس تبع فيه الصاغاني ، وليس كما قال ففي المصباح المنير الأنموذج بضم الهمزة ، والنموذج بفتح النون معرب ، وأنكر الصاغاني أنموذج لأنّ المعرّب لا يزاد فيه انتهى ، وما ذكره الصاغاني ليس بصحيح ألا تراهم قالوا في تعريب هليله اهليلج كما أوضحناه في شفاء الغليل نعم هو أفصح كما في شعر البحتري :أو أبلق يلقي العيون إذ أبدا * من كل شيء معجب بنموذجقوله : ( إيمانا باللّه تعالى واستسلاما لقضائه ) لما تضمن اليأس عدم الصبر ، والكفران عدم الشكر كان المستثنى من ذلك ضدّه ممن اتصف بالصبر والشكر فلما قيل إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات كان بمنزلة إلا الذين صبروا وشكروا ، وذلك من صفات المؤمن فكنى بهما