الآخرة لغفلتهم عنها
وَاطْمَأَنُّوا بِها
وسكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ
لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادّها ، والعطف أمّا التغاير الوصفين ، والتنبيه على أنّ الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا والانهماك في الشهوات بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلا ، وأمّا لتغاير الفريقين ، والمراد بالأوّلين من أنكر البعث ، ولم ير إلا الحياة الدنيا وبالآخرين
شرح
الخوف ، وتوقع الشرّ ، ويطلق على مطلق التوقع ، وهو في الأوّل حقيقة ، وفي الآخرين مجاز ، وجوّز الزمخشريّ فيه هنا الوجوه الثلاثة ، واقتصر المصنف رحمه اللّه على معنى التوقع لأنه أنسب بالمقام ، وقيل لعدم احتياجه إلى تقدير مضاف كحسن أو سوء ، وقال الإمام حمل الرجاء على الخوف بعيد لأنّ تفسير الضدّ بالضدّ غير جائز يعني في غير الاستعارة التهكمية ، والتهكم غير مراد هنا كما يشعر به قوله تفسير دون استعارة فمن ردّه بذلك لم يصب مع أنّ الإمام رحمه اللّه لا يسلم له ما قاله فإنه ورد في استعمالهم ، وذكره الإمام الراغب والمرزوقيّ ، وأنشدوا شاهدا له قول أبي ذؤيب :إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواملقال الراغب وجهه أنّ الرجاء والخوف متلازمان ، واعترض على المصنف رحمه اللّه بأنّ تفسيره لا ينتظم مع تعليل قرينه فالمراد لا يخافونه لاعتمادهم على شفعائهم فإنّ قوله لغفلتهم لا يتمشى مع الإنكار ، وليس بوارد لأنه يعني أنهم غفلوا وذهلوا عن الأدلة وما يرشدهم إلى العلم بها حتى أنكروا ، والتفسير بذلك إيماء إلى ظهورها حتى كأنها حاضرة عندهم وإنما عرض لهم ذهول وغفلة فتدبر وقوله من الآخرة أي بدلا عنها لأنّ مجرّد الرضا بها مع عدم ترك الآخرة ليس بذم ، وهو تفسير له بما وقع في النظم في قوله أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، وجملة رضوا معطوفة على الصلة أو حالية بتقدير يرقد . قوله : ( وسكنوا إليها الخ ) حقيقة الطمأنينة سكون بعد انزعاج كما قاله الراغب رحمه اللّه فالاطمئنان إمّا بمعنى السكون بسبب زينتها وزخارفها فالباء سببية أو ظرفية بمعنى سكنوا فيها سكونا خاصا ، وهو سكون من لا يرحل ولا ينزعج لزعمهم أنه لا حياة غيرها وقوله مقصرين كان حقه أن يقول قاصرين لأنّ أقصر معناه كف مع القدرة لا بمعنى الاقتصار الذي عناه . قوله : ( لا يتفكرون فيها لانهماكهم الخ ) لما كان الغافلون ، والذين لا يرجون عبارة عما هو متحد الذات أشار إلى أنه من عطف الصفة على الصفة تنبيها على أنهم جامعون بينهما وأنّ كلّ واحدة منهما متميزة مستقلة صالحة لأن تكون منشأ للذم والوعيد كما في الكشاف ، وهو أولى مما ذكره المصنف رحمه اللّه فإنه يفهم من ظاهره أنّ كلا منهما غير موجب للوعيد بالاستقلال بل الموجب له المجموع ، وهؤلاء هم المنكرون للبعث على هذا الوجه ، ولما صح أن تكون الثانية سببا للأولى قال في الكشاف ، ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم فوكل الترتيب إلى ذهن الذكيّ ، وفي كلام المصنف رحمه اللّه أيضا إشارة إليه . قوله : ( وإمّا لتغاير الفريقين الخ ) أي هما فريقان من الكفرة متغايران فلذا عطفا