من ألهاه حبّ العاجل عن التأمّل في الآجل ، والاعداد له
أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
بما واظبوا عليه وتمرّنوا به من المعاصي
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ
بسبب إيمانهم إلى سلوك السبيل المؤدّي إلى الجنة أو لادراك الحقائق كما قال عليه الصلاة والسّلام : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » أو لما يريدونه في الجنة ومفهوم الترتيب ، وإن دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصالح لكن دلّ منطوق قوله بإيمانهم على استقلال الإيمان بالسببية ، وأنّ العمل الصالح
شرح
فالأوّل المشركون المنكرون للآخرة ، والثاني أهل الكتاب مثلا الذين ألهاهم حبّ الدنيا والرياسة عن الإيمان والاستعداد للآخرة ، وقوله بما واظبوا أي داوموا واستمرّوا والاستمرار التجدّدي من المضارع لا سيما إذا اقترن بكان فإنه كالصريح فيه ، والتمرّن التدرّب والاعتياد .
قوله : ( بسبب إيمانهم الخ ) قدّر متعلق الهداية ما ذكر ، وقدّره تارة بإلى وتارة باللام لتعدّيه بهما كما أنه يتعدّى بنفسه ، والتقدير الأوّل والأخير يدلّ عليه قوله بعده :تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُالخ لأنه بيان له يعني أنّ عملهم ، وإيمانهم يكون نورا بين أيديهم يقودهم إلى الجنة أو أنهم بذلك تنجلي بصيرتهم وينكشف لهم حقائق الأمور أو لما يريدونه من النعيم أو غيره في الجنة . قوله :
( « من عمل بما علم » « 1 » الخ ) هذا يقتضي أنّ العمل هو المورّث لما ذكر لا مجموع الإيمان والعمل حتى ينافي ما سيذكره كما توهم . قوله : ( ومفهوم الترتيب وإن دلّ على أنّ السبب الهداية الخ ) هذا ردّ لما في الكشاف من أنّ الآية دلت على أنّ الإيمان المعتبر في الهداية إلى الجنة هو المقيد بالعمل الصالح لا المطلق لأنه جعل الصلة مجموع الأمرين كأنه قال إنّ الذين جمعوا بين الإيمان ، والعمل الصالح يهديهم ربهم ، ثم قال بإيمانهم أي المقرون بالعمل فرأى بعضهم وتبعه المصنف رحمه اللّه أنه مبنيّ على الاعتزال ، وخلود غير الصالح في النار ولا دلالة فيها على ما ذكره لأنه جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان وأمّا أن إضافته إلى ضمير الصالحين تقتضي أخذ الصلاح قيدا في التسبب فممنوع فإنّ الضمير يعود على الذوات بقطع النظر عن الصفات ، وأيضا فإنّ كون الصلة علة للخبر في نحو الذي يؤمن يدخل الجنة بطريق المفهوم فلا يعارض السبب الصريح المنطوق ، وليس كل خبر عن الموصول يلزم فيه ذلك نحو الذي كان معنا أمس فعل كذا كما فصل في المعاني ، وقد ردّ هذا بأنّ الجمع بين العمل الصالح والإيمان ظاهر في أنهما السبب والتصريح بسببية الإيمان المضاف إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالتنصيص على أنه ذلك الإيمان المقرون بما معه لا المطلق لكنه ذكر لأصالته وزيادة شرفه فلا استدراك ، ولا دلالة على استقلاله ، ثم إنّ النزاع إنما هو في سبب الهداية إلى
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 10 / 15 من حديث أنس . وضعفه أبو نعيم حيث قال : ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى ابن مريم عليه السّلام فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوضع هذا الإسناد عليه لسهولة وقربه ، وهذا الحديث لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل .