رسوله والمؤمنين عليه قيل : إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا : إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم ، وقيل : نزلت في المنافقين ، وفيه نظر إذ الآية مكية ، والنفاق حدث بالمدينة
أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ
ألا حين يأوون
شرح
اعترض عليه والمصنف رحمه اللّه تعالى رأى أنه لا حاجة إلى التقدير إذ يصح تعلقه بما قبله لكنه قيل إنه على المعنيين الأوّلين ليثنون ظاهر فإنّ انحرافهم عن الحق بقلوبهم ، وعطف صدورهم على الكفر وعداوة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعدم إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من اللّه لجهلهم بما لا يجوز على اللّه تعالى ، وأمّا على المعنى الثالث فالظاهر أنه لا بدّ من التقدير إلا أن يعاد ضمير منه إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا الذي ذكره في الوجهين الأولين من كلام المصنف رحمه اللّه تعالى لتقديره متعلقا له فليس خلاف الظاهر كما توهم ، وقال أبو حيان الضمير في منه للّه ، وسبب النزول يقتضي عوده للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأنها نزلت في بعض الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تطأمنوا وثنوا صدورهم كالمستتر وردّوا إليه ظهورهم ، وغشوا وجوههم بثيابهم تباعدا منه ، وكراهة للقائه ، وهم يظنون أنه يخفى عليه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » فنزلت فعلى هذا ليستخفوا متعلق بيثنون قيل فغاية ما يوجه به كلام المصنف رحمه اللّه في عدم التقدير أنه لما جعل سبب النزول ما ذكر جاز تعلق اللام بيثنون وصح التعليل ، وهو قريب مما قاله أبو حيان رحمه اللّه تعالى إلا أنه جعل الضمير للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى ما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى يجوز أن يكون له وللّه ، وإنما خصه باللّه بناء على ظاهر قوله :يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَلكنه ترك لما ذكره من المعاني الثلاثة ليثنون واختيار لمعنى آخر ، وهذا ليس بشيء بل هو على المعاني المذكورة لكنه في الوجه الأخير يكون الضمير للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليس في كلامه ما ينافيه فتدبر . قوله : ( قيل إنها نزلت الخ ) قال السيوطيّ الثابت في صحيح البخاريّ أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يستحيون أن يتخلوا أو يجامعوا فيفضوا بفروجهم إلى السماء « 2 » فعلى هذا ثنى الصدور على ظاهره لا مجاز ولا كناية فهو أصح نقلا مؤيدا ببقائه على حقيقته وكون قيل لتمريضه لا فائدة فيه كالاعتذار بجواز تعدّد سبب النزول كما ذهب إليه بعضهم . قوله : ( وفيه نظر إذ الآية مكية والنفاق حدث بالمدينة ) قد أجيب عنه بأنّ القائل به لم يرد بالنفاق ظاهره بل ما كان يصدر من بعض المشركين الذين كان لهم مداراة تشبه النفاق ، وأيضا أنه كان بمكة منافقون « كالأخنس » « 3 » فإنه كان يظهر الإيمان ويضمر الكفر ولا فرق بين فعله وفعل منافقي المدينة حتى لا يسمى منافقا نعم النفاق كان بمكة لكن لم يكن في مكة طائفة ممتازون عن سائر المشركين ، وأمّا حديث أنّ النفاق كان بالمدينة والإشكال بأنّ السورة مكية فغير مسلم بل ظهوره إنما كان فيها ،
هامش
( 1 ) أخرجه الواحدي في أسباب النزول 537 عن الكلبي وهو ضعيف جدا .
( 2 ) أخرجه البخاري 4681 - 4682 - 4683 عن ابن عباس .
( 3 ) هو الأخنس بن شريق ، انظر الواحدي في أسباب النزول 537 .