تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
إلى فراشهم ، ويتغطون بثيابهم
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ
في قلوبهم
وَما يُعْلِنُونَ
بأفواههم يستوي في علمه سرّهم وعلنهم ، فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
بالأسرار ذات الصدور أو بالقلوب وأحوالها
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
غذاؤها ومعاشها لتكفله إياه تفضلا ورحمة وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقا لوصوله
شرح
والامتياز إلى ثلاث طوائف وقع بها ، وقد صرّح به في الكشاف في قوله ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، ولو سلم فلا إشكال بل يكون على أسلوب قوله كما أنزلنا على المقتسمين إذا فسر باليهود فإنه إخبار عما سيقع ، وجعله كالواقع لتحققه وهو من الإعجاز فكذا ما نحن فيه هكذا حقق في الكشف . قوله : ( إلا حين يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم ) أي يلتحفون بما يلتحف به النائم كما ذكره في الرواية السابقة ، وقوله يستوي في علمه الخ إشارة إلى أن ذكر علم العلانية بعد علم السرّ لبيان أنهما في علم اللّه سواء ، وإلا لم يكن في ذكره مؤخرا فائدة ، وقوله ما عسى يظهرونه عسى مقحمة ، وقد تقدّم بيان هذا كله ، وحين ناصبه تريدون مضمرا كما مرّ ، وقدّره أبو البقاء يستخفون ، وقيل ناصبه يعلم ، ولا يلزم منه تقييد علم اللّه لأنّ من يعلم هذا يعلم غيره بالطريق الأولى ، وما في ما يسرّون مصدرية أو موصولة عائدها محذوف . قوله : ( بالأسرار ذات الصدور الخ ) يعني المراد بذات الصدور إمّا الأسرار أو القلوب ، وأحوالها بجعلها لاختصاصها بالصدور كأنها صاحبة للصدور مالكة لها ، وليست الذات مقحمة كما في ذات غد ولا من إضافة المسمى إلى اسمه كما توهم . قوله : ( غذاؤها ومعاشها الخ ) المراد بالدابة معناها اللغوي ، وهو كلّ ما دبّ على الأرض باتفاق المفسرين هنا لا المعنى العرفيّ ، واحتج بهذه الآية أهل السنة على أنّ الحرام رزق ، وإلا فمن لم يأكل طول عمره إلا من الحرام لا يصل إليه رزقه ثم إن الآية تحتمل أن يراد بها أنّ اللّه تعالى يسوق إلى كلّ حيوان رزقه فيأكله فورد النقض بحيوان هلك قبل أن يرزق شيئا ، ودفع بأنّ المراد كلّ حيوان يحتاج إلى الرزق يرزقه اللّه وما ذكر ليس كذلك لكن ينتقض بحيوان لم يرزق ، ومات جوعا ، ودفع بأنّ المراد كلّ حيوان جاءه رزق فمنّ اللّه كما نقل عن مجاهد لكن لا يبقى فيها استدلال لما استدلّ عليه أهل السنة بها ، ولا يبقى المحذور المذكور فتدبر . قوله : ( وإنما أتى بلفظ الوجوب الخ ) يعني أنّ على تستعمل للوجوب ، ولا وجوب على اللّه عند أهل الحق على ما بين في الكلام فأجاب المصنف بأنه لتحققه بمقتضى وعده كان كالواجب الذي لا يتخلف فينبغي لمن عرف ذلك التوكل على اللّه فكلمة على المستعملة للوجوب مستعارة استعارة تبعية لما يشبهه ، ويكون من المجاز بمرتبتين ، ولا يمنع من التوكل مباشرة الأسباب مع العلم بأنه المسبب لها ، وفي الكشاف أنه لما ضمنه اللّه ، وتكفل به صار واجبا في المرتبة الثانية فلا منافاة كما في نذور العباد فإنها تصير واجبة بالنذر بعد ما كانت تبرّعا ، وقال الإمام الرزق واجب بحسب الوعد ، والفضل والإحسان ، ومعناه أن الرزق باق على تفضله لكنه لما وعده ، وهو لا يخلّ بما وعد صوّر بصورة الوجوب لفائدتين إحداهما التحقيق لوصوله ، والثانية حمل العباد