تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
رَبَّكُمْ
عطف على ألا تعبدوا
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة ، فإنّ المعرض عن طريق الحق لا بدّ له من الرجوع ، وقيل استغفروا من الشرك ، ثم توبوا إلى اللّه بالطاعة ويجوز أن يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين
يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً
يعشكم في أمن
شرح
تعبدوا سواء كان نهيا أو نفيا . قوله : ( توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة ) لما كان الاستغفار بمعنى التوبة في العرف كان توسط كلمة ثم بينهما محتاجا إلى التوجيه فقيل لا نسلم أن الاستغفار هو التوبة بل الاستغفار ترك المعصية والتوبة الرجوع إلى الطاعة ، ولئن سلم أنهما بمعنى فثم للتراخي في الرتبة ، والمراد بالتوبة الإخلاص فيها والاستمرار عليها والمصنف رحمه اللّه تعالى حمل الاستغفار على التوبة وجعل التوبة عبارة عن التوصل إلى مطالبهم بالرجوع إلى اللّه فثم على ظاهرها ولا حاجة إلى جعلها بمعنى الواو والعطف تفسيريّ كما نقل عن الفرّاء وقيل الاستغفار طلب الغفر وستر الذنب من اللّه والعفو عنه ومعنى التوبة الندم عليه مع العزم على عدم العود فليسا بمتحدين ولا بمتلازمين نعم قد يستعمل الأوّل في العرف بمعنى الثاني ، وفائدة عطف الثاني على الأوّل التوصل به إلى ذلك المطلوب والجزم بحصوله كما قال ثم توصلوا الخ بيانا لحاصل المعنى لا أنّ توبوا عبارة عن معنى توصلوا كما توهم ، ولا يخفى ما في العبارة من النبوّ عما ذكره فتأمّل . قوله : ( فإنّ المعرض عن طريق الحق ) أي من أعرض عن طريق الحق بالكفر والعصيان لا بدّ له من الرجوع إليها ليصل إلى مطلوبه ، وهذا على طريق التمثيل في النظم بجعل التوبة بمعناها الأصلي وهو الرجوع فالرجوع إلى اللّه المراد به لازم معناه ، وهو طلب الوصول إلى المطلوب والإعراض عن الحق إن كان بالشرك فتوقفه على ما ذكر ظاهر ، وكذا إن أريد الأعمّ وأمّا إن أريد المعصية فالمراد الجزم بحصول مطلوبه فإنّ العفو يجوز من غير توبة فتأمّل . قوله : ( وقيل استغفروا من الشرك الخ ) أي اطلبوا غفره وستره بالإيمان ثم توبوا إلى اللّه ارجعوا إلى اللّه بالطاعة فعلى هذا كلمة ثم على ظاهرها من التراخي ، وقيل إنّ تراخيه رتبيّ لأنّ التحلية أفضل من التخلية وإنما مرّضه لأنّ قوله ألا تعبدوا إلا اللّه يفيد ما أفاده ، وقوله ويجوز أن يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين فإن بين التوبة وهي الانقطاع إلى اللّه بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيدا ، وقيل إنّ هذا بطريق الكناية فإنّ التفاوت والتباين من روادف التراخي وفيه نظر . قوله تعالى( يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً )انتصابه على أنه مفعول مطلق من غير لفظه كقوله :أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً[ سورة نوح ، الآية : 17 ] ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه اسم لما يتمتع به وقيل إنه منصوب بنزع الخافض أي يمتعكم بمتاع وأنّ في الكشاف إشارة إليه ، وقوله يعشكم في أمن ودعة بفتح الدال بمعنى الراحة يعني أن من أخلص اللّه في القول والعمل عاش في أمن من العذاب وواحة مما يخشاه ، وأمّا ما يلقاه من بلاء الدنيا فلا ينافي ذلك لما فيه من رفع الدرجات ، وزيادة الحسنات فلا ينافي هذا كون الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، ولا كون أشدّ الناس بلاء الأمثل فالأمثل لأنّ المراد أمنه من غير اللّه ، ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه وراحته طيب عيشه برجاء اللّه والتقرّب إليه حتى يعدّ المحنة منحة ، والتمتع يجيء