إلى أربعين ، فلما دنا الموعد أغامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد ، فهبط حتى غشى مدينتهم ، فهابوا فطلبوا يونس ، فلم يجدوه فأيقنوا صدقه ، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، وفرقوا بين كل والدة وولدها ، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج ، وأخلصوا التوبة وأظهروا الإيمان ، وتضرّعوا إلى اللّه تعالى فرحمهم ، وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ
بحيث لا يشذ منهم أحد
جَمِيعاً
مجتمعين على الأيمان لا يختلفون فيه وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين ، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا
شرح
سترهم اللّه عن الناس مما لا وجه له ، ونينوى بالكسر من بلاد الموصل قريبة منها والموصل بفتح الميم وكسر الصاد بلدة مشهورة والمسوح جمع مسح بوزن ملح ، وهو اللباس أي لبسوا الألبسة الخلقة تذللا ، والتفريق بين الأولاد والوالدات ليبكوا ويضجوا وكذا إخراج الحيوانات للعجيج ورفع الصوت فيكون وسيلة لرحمة اللّه ، وأغامت بمعنى أطلعت الغيم ، وقوله فحنّ تعليل للتفريق والعجيج الصياح . قوله : ( بحيث لا يشذ ) بالشين المعجمة والذال المعجمة ، ويجوز ضم شينه وكسرها من الشذوذ أي ينفرد ويخرج ومن للعموم لكنها في غير النفي ليست نصا فيه فلذا أكد بكلهم للتنصيص عليه وكذا جميعا ولا يمكن حمله على الاجتماع في زمان معين كما حمل عليه في غير هذا الموضع . قوله : ( وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ أيمانهم أجمعين ) المراد بالقدرية المعتزلة لقبهم أهل السنة به لاسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وانكارهم القدر فيها وكما يصح نسبة مثبت القدر إليه يصح نسبة نافيه أيضا إليه ولا مشاحة في الاصطلاح يعني أن الآية حجة عليهم في قولهم إرادة اللّه تتعلق بإيمان الكافر لكنها تخلف عنها المراد ، ووجه الحجة أن لو تدل على أنه لو أراد إيمان من في الأرض لآمنوا وأن المشيئة والإرادة لا محالة تستلزم المراد وهم لما رأوها بحسب ظاهرها مبطلة لمذهبهم قيدوا المشيئة والإرادة بمشيئة القسر والإلجاء وهذا دأبهم في كل ما ورد عليهم من ذلك فالإرادة عندهم مطلقا يجوز تخلفها عن المراد وما لا يتخلف نوع منها ، وهو مشيئة القسر والالجاء لأنه تعالى قادر على الجائهم إلى ما أراد فإذا فعل ذلك لزم عدم التخلف وردّه المصنف رحمه اللّه بأنه خلاف الظاهر ، ولا قرينة في الكلام عليه بل ما بعده صريح في ردّه . قوله تعالى :أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَهذه الهمزة لصدارتها مقدّمة من تأخير على الأصح لأنّ هذه الجملة متفرعة على ما قبلها وليس القصد إلى إنكار تفرعها ، وأنت جوز فيه أن يكون مبتدأ وفاعل مقدّر يفسره ما بعده لاقتضاء الاستفهام للفعل ، والمراد بالناس من طبع عليهم أو الجميع مبالغة . قوله : ( وترتيب الاكراه على المشيئة بالفاء الخ ) هذا مبتدأ خبره قوله للدلالة الخ ، وإيلاؤها معطوف على ترتيب وهو مصدر مضاف للمفعول ، وفاعله حرف الاستفهام لا العكس لعدم دخول هذا الإيلاء في الاستحالة المذكورة حينئذ كذا قيل وفيه نظر ، وقوله وتقديم الضمير أي تقديم الفاعل المعنوي على الفعل للتخصيص أي تخصيص إنكار الإكراه بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقدّم الإنكار في الاعتبار على