قوم يونس عليه السّلام
لَمَّا آمَنُوا
أوّل ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله
كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
ويجوز أن تكون الجمل في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه ، فيكون الاستثناء متصلا ، لأنّ المراد من القرى أهاليها كأنه قال : ما آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم ، إلا قوم يونس ، ويؤيده قراءة الرفع على البدل
وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
إلى آجالهم روي أن يونس عليه السّلام بعث إلى نينوى من الموصل ، فكذبوه وأصرّوا عليه ، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث . وقيل : إلى ثلاثين وقيل :
شرح
أن التحضيض على الصفة فلا غبار فيه ، وفيه بعد تأمل قيل والظاهر أن يقول أشرفنا بها على الهلاك ليمكن جعل الاستثناء متصلا ، وقوله كما أخر فرعون إشارة إلى وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها . قوله : ( لكن قوم يونس ) بيان لأنّ الاستثناء منقطع وإليه ذهب سيبويه والكسائي وأكثر النحاة لعدم اندراجه فيما قبله أن أبقيت القرية على ظهره وكذا إن قدر وصفها بكونها من الهالكين فلذا نصب المستثنى ، وقوله أوّل ما رأوا الخ سيأتي بيانه .
تنبيه : في بعض التفاسير يجوز في يونس ويوسف تثليث النون والسين مهموزا وغير مهموز وهي لغات فيهما المتواتر منها الضم . قوله : ( ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي الخ ) أصل معنى التحضيض يشعر بالأمر حتى جعلوه في حكمه ، وعلى كون الاستثناء متصلا لا بدّ أن يلاحظ فيه معنى النفي وإلا فسد المعنى لما يلزمه من كون الإيمان من المستثنين غير مطلوب ، ولذا فسر بما آمنت وكون المواد بالقرى أهاليها لقوله :آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها[ سورة يونس ، الآية : 98 ] ولو اعتبر التحضيض لم يصح الاتصال لأنّ التحضيض طلب للإيمان ، وهو مطلوب فيه وقيل عليه بل يصح الاتصال على تقديره أيضا لأن أهل القرى محضوضون على الإيمان النافع وليس قوم يونس محضوضين عليه لأنهم آمنوا ، وقيل المعنى ما آمن من أهل قرية من القرى الهالكة فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس فجعل مدار الوجهين على توصيف القرى تارة بالهالكة ، وأخرى بالعاصية وخصه الزمخشري بالهالكة وجوّز الوجهين وعلله بأنّ المراد بالقرى أهاليها فأورد عليه أنّ التعليل ليس في محله لعدم توقف صحة الاستثناء عليه مع أنه لا يناسب الاتصال لأنّ قوم يونس ليسوا من الهالكين ودفع بأنّ المراد المشرفين على الهلاك في الاتصال مع بقائه على ظاهره في الانفصال ، ولا يخفى ما فيه من التعسف ، واعلم أن الإيمان بعد مشاهدة ما وعدوا به إيمان يأس غير نافع وعادة اللّه إهلاكهم من غير إمهال فإن كان قوم يونس شاهدوه فهذا خصوصية ليونس وإليه ذهب كثير من المفسرين لقوله كشفنا وإلا فلا . قوله :
( ويؤيده قراءة الرفع على البدل ) لأنّ البدل لا يكون إلا في غير الموجب وهو بدل من قرية المراد بها أهلها وقد خرّجت هذه أيضا على أن إلا بمعنى غير وهي صفة وظهر إعرابها فيما بعدها . قوله : ( إلى آجالهم ) بالفتح والمدّ جمع أجل وما نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من تفسيره بقولهإِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ[ سورة الأحقاف ، الآية : 5 ] لا صحة له وتوجيهه بأنهم إحياء