الْآياتِ
نكرّرها تار من جهة المقدّمات العقلية ، وتارة من جهة الترغيب والترهيب ، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدّمين
ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
يعرضون عنها ، وثم لاستبعاد الاعراض بعد تصريف الآيات وظهورها
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً
من غير مقدّمة
أَوْ جَهْرَةً
يتقدّمها أمارة تؤذن بحلوله ، وقيل ليلا أو نهارا وقرىء بغتة أو جهرة
شرح
الموصولة لا ملفوظة ولا مقدّرة حتى يقال في تفسيره إنّ الضمير على ظاهره لأن ما وإن كان متعدّد المعنى مفرد اللفظ كما توهم وأمّا الوجه الثالث فظاهر وأما جعله راجعا إلى السمع وجعل ما بعده داخلا معه في القصد فبعيد . قوله : ( انظر كيف نصرّف الآيات الخ ) انظر يفيد التعجب أيضا مثل أرأيت وتصريف الآيات تكريرها على أنحاء مختلفة كتصريف الرياح ، ثم إنّ المراد إمّا مطلق الدلائل أو الدلائل القرآنية مطلقا أو ما ذكر من أوّل السورة إلى هنا أو ما ذكر قبل هذا ذهب إلى كل بعض من أرباب الحواشي فلذا قيل هي المقدّمات العقلية الدالة على وجود الصانع وتوحيده المشار إليها بقوله :إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِالآية وأمّا الترغيب فبقوله فيكشف ما تدعون إليه ، وأمّا الترهيب فبقوله :أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ[ سورة الأنعام ، الآية : 46 ] الخ ويمكن أن يؤخذ في ضمن قوله :إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِفيكونان مذكورين في ضمن المقدمات العقلية وأمّا التنبيه والتذكير فبقوله :وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ[ سورة النحل ، الآية : 63 ] الخ وقيل غير ذلك ، وقوله بعد تصريف الآيات وظهورها تقرير لكون ثم للاستبعاد كقوله تعالى :وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها[ سورة الكهف ، الآية : 57 ] وأنّ تعريف الآيات للعهد كما مرّ . قوله : ( من غير مقدمة ) أي إمارة متقدّمة يعني بغتة من حيث الظاهر لا يقابل جهرة لأنّ مقابل الجهرة الخفية لكن لما كان معنى بغتة وقوع الأمر من غير شعور ، فكأنها في معنى خفية حسن أن يقابل بها كما في شروح الكشاف وليس المراد أنه مجاز أو استعارة بل إنه لما قرب أحدهما من الآخر صح مقابلته به ومثله كثير كما وقع في الحديث « بشروا ولا تنفروا » « 1 » ومقابل التبشير الإنذار لا التنفير فمن قال إنّ البغتة استعارة للخفية بقرينة مقابلة الجهرة وإنها مكنية من غير تخييلية بل بقرينة المقابلة المذكورة ، وهذه الاستعارة لم يذكرها أهل المعاني تعسف بما لا حاجة إليه ، ولا يخفى ما فيه وأنه يلزمه أن يصح بل يحسن النور خير من الجهل على أنّ الجهل استعارة للظلمة بقرينة مقابلته بالنور ، ومثله يمجه الذوق السليم ، وفي بعض التفاسير لما كانت البغتة هجوم الأمر من غير ظهور إمارة وشعور به تضمنت معنى الخفية فصح مقابلتها بالجهرة ، وبدأ بها لأنها أردع من الجهرة وإنما لم يقل خفية لأنّ الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى وهو بيان لنكتة ترك المقابلة ، وليس المراد بقوله تضمنت معنى الخفية إلا أنها مثلها في
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 6124 و 7172 ومسلم 2001 ح 70 - 71 وأحمد 4 / 417 من حديث أبي بردة عن أبيه ( أبو موسى الأشعري ) قال : بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعاذا إلى اليمن فقال : « ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسر . . . » .