إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
تبرأ عن دعوى الإلهية والملكية ، وادّعى النبوّة التي هي من كمالات البشر
شرح
عندهم على الغيب ، ولذا نسبوه إلى الكهانة فالحاجة هنا إلى نفيه ، ثم إنّ هذا النفي تضمن الجواب عن قولهم إن كنت رسولا فأخبرنا بما يقع في المستقبل لنستعدّ له ، ونفي دعوى الملكية تضمن جواب ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق اه ، ويحتمل أنه مقول أقول لأقل ، ولذا قيل لو قال المصنف رحمه اللّه من جملة ما لا يقول كان أوضح وكلمة لا حينئذ في لا أعلم مذكرة للنفي لا نافية ولم يجعل من مقول قل لأنّ المقصود نفي دعوى علم الغيب ودعوى مالكية خزائن اللّه ليكونا شاهدين على نفي دعوى الألوهية ، وبهذا اندفع ما قيل على هذا الوجه من أنه يؤدّي إلى أنه يصير التقدير ، ولا أقول لكم لا أعلم الغيب وهو غير صحيح فإنه لا وجه لعدم صحته وللّه درّ المصنف حيث أتى بما يشملهما على الحصر ، ولا يخلو من مخالفة للظاهر في الجملة ، وعند التأمّل لكل وجهة ولذا قال النحرير : إنه من جملة القول في الواقع ومحمول على هذا المعنى البتة لأنه لا فائدة في الإخبار بأني لا أعلم الغيب ، وإنما الفائدة في الإخبار بأني لا أقول ذلك ليكون نصا لادّعاء الأمرين اللذين هما من خواص الإلهية ليكون المعنى إني لا أدّعي الإلهية ولا الملكية ويكون تكرير لا أقول إشارة إلى هذا المعنى وكان المصنف رحمه اللّه أجمل في قوله المقول لجوازهما عنده وزعم السفاقسي أنّ كلام الزمخشريّ محتمل لهما أيضا فتأمّل . قوله : ( من جنس الملائكة ) قيل هو إشارة إلى ما ذكره أبو عليّ الجبائيّ من أنّ هذه الآية تدل على أفضلية الملائكة لأن المعنى لا أدّعي منزلة أقوى من منزلتي وقال القاضي عبد الجبار : إن كان الغرض من النفي التواضع فالأقرب لزوم الأفضلية ، وإن كان نفي القدرة على أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة فلا وهو الأليق بالمقام ، ولو سلم فتكفي الأفضلية بزعم المخاطبين ، وعليه يتنزل كلام المصنف ويخرج عما في الكشاف من النزغة الاعتزالية قيل ، وهو على الأوّل حقيقة وعلى الثاني مجاز مرسل عن القادر على أفعالهم أو تشبيه بليغ ، وفيه نظر لأنّ المقصود نفي الملكية لا نفي شبهها فتأمّله . قوله : ( تبرّأ عن دعوى الإلهية والملكية ) وفي نسخة الألوهية جعل مجموع قوله :عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَعبارة عن نفي الألوهية لأنّ قسمة الأرزاق بين العباد ومعرفة علم الغيب مخصوصان به تعالى ولذا كرّر في الملكية لفظ ولا أقول وقيل على الزمخشري إذ ذكر هذا بعينه إنه يهدم قاعدة استدلاله في قوله تعالى :لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ[ سورة النساء ، الآية : 172 ] على تفضيل الملك على البشر لأنّ الترقّي لا يكون من الأعلى إلى الأدنى يعني من الألوهية إلى الملكية ، ولا هدم لها مع إعادة لا أقول الذي جعله أمرا مستقلا كالإضراب ، إذ المعنى لا أدّعي الألوهية بل ولا الملكية ولذا كرّر لا أقول ، وقيل مقام نفي الاستنكاف ينتفي فيه أن يكون المتأخر أعلى لئلا يلغو ذكره في مقام نفي الادعاء بالعكس فإنّ من لا يتجاسر على دعوى الملكية أولى أن لا يتجاسر على دعوى الإلهية الأشدّ استبعادا وأورد على هذا أنّ المراد لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه وليس المراد التبري عن دعوى الإلهية ، وإلا لقيل لا أقول لكم إني إله كما قيل ولا أقول لكم إني ملك وأيضا في الكناية عن