فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
من البأساء والضرّاء ولم يتعظوا به
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
من أنواع النعم مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسرّاء ، وامتحانا لهم بالشدّة والرخاء الزاما للحجة وإزاحة للعلة ، أو مكرا بهم لما روي إنه عليه الصلاة والسّلام قال :
شرح
المخطئ مخطئ من وجوه أحدها أنّ قوله المدرك بالحس ليس بصواب لأنّ تزيين الأعمال ليس مما يدرك بالحس فلا وجه لتخصيصه به ، الثاني أنّ قوله والمزين في الحقيقة هو الشيطان إن أراد بالتزيين جعله مشتهى بالطبع وخلق ذلك فيه فباطل وإن أراد الوسوسة ونحوها فالقاضي لا ينكره ، ألا تراه قال في قوله تعالى :زُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ[ سورة الفتح ، الآية : 12 ] الفاعل هو اللّه أو الشيطان ، وكذلك قوله التزيين صفة تقوم بالشيطان فإنه يقال له أيّ معانيه أردت الثالث أنّ ما ذكره من عدم الفرق من بعض الظنّ وكيف يخفى على مثله وهو مقرر في الأصلين وإنما قصد الردّ على الزمخشري حيث فسره بما زعمه هذا القائل بناء على مذهبه في خلق العباد أفعالهم لا كما توهمه فقد فرّ من المطر ووقف تحت الميزاب ، والحمد للّه ملهم الصواب . قوله : ( فلما نسوا ما ذكروا الخ ) قيل هذه الآية الكريمة تؤيد مذهب من ذهب إلى أن لما ظرف بمعنى حين وليس فيه معنى الشرط إذ لا يظهر وجه سببية النسيان لفتح أبواب الخير ، وحديث الاستدراج لا يدفعه لأنه يفيد الصحة اجتماع الفتح مع النسيان لا سببيته له فلا بدّ من قبل الجمهور من الجواب انتهى . ( قلت ) للنحويين في لما مذهبان الأوّل أنها حرف وجود لوجود أو وجوب لوجوب ، والثاني أنها ظرف بمعنى حين ، وقال ابن مالك : بمعنى إذ وهو حسن لاختصاصها بالماضي والإضافة إلى الجمل ، وردّ ابن خروف الظرفية بنحو لما أكرمتني أمس أكرمتك اليوم لأنها لو قدّرت ظرفا كان عاملها الجواب والواقع في اليوم لا يكون في الأمس ، وأوّله القائلون به بنحو لما ثبت إكرامك كما أوّل إن كنت قلت غير المبرد ، وعلى كلا القولين ففيها معنى الشرطية وإنما الخلاف في حرفيتها واسميتها فلا بدّ من تأويل الآية بأنّ النسيان سبب للاستدراج المتوقف على فتح أبواب الخير وسببيته شيء لآخر تستلزم سببيته لما يتوقف عليه فاندفع الاعتراض أو الجواب ما ذكر باعتبار مآله ومحصله وهو ألزمناهم الحجة ونحوه كما أشار إليه المصنف وتسببه عنه ظاهرا وإنه مسبب عنه باعتبار غايته وهو أخذهم بغتة ، وقوله كل شيء المراد به التكثير لا التعميم والإحاطة وهو مستعمل بهذا المعنى كما مرّ وقوله ولم يتعظوا إشارة إلى أنّ النسيان مجاز عن الترك وعدم العمل والاتعاظ كما مرّ نحوه . قوله :
( مراوحة عليهم الخ ) بالراء والحاء المهملتين أي مناوبة من قولهم راوح بين العملين إذا عمل هذا مرّة وذاك أخرى كأنه يروح إلى أحدهما بعد الآخر أو يستريح إليه كما يفعل الأب المشفق بابنه في الملاينة والمخاشنة ليصلح حاله فعلى الوجه الأوّل هذا للتأديب وعلى الثاني للاستدراج ، قال النحرير : والوجه هو الثاني ، والأوّل مبنيّ على الاعتزال فتأمّل ، وقوله : ( أو مكرا بهم ) أي استدراجا قال الراغب مكر اللّه إمهال العبد وتمكينه من أغراض الدنيا ، ولذلك قال أمير المؤمنين من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله . قوله :