الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم ، وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ
أصمكم وأعماكم
وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ
بأن غطى عليها ما يزول به عقلكم ، وفهمكم
مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ
أي بذاك أو بما أخذ وختم عليه ، أو بأحد هذه المذكورات
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ
شرح
يكون بعد الآخر ويطلق عليه تجوّزا ، وقال أبو عبيد : دابر القوم آخرهم وقال الأصمعي : الدابر الأصل ومنه قطع اللّه دابره أي أصله . قوله : ( نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها ) قال في الكشاف : فيه إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة فهو عنده إخبار بمعنى الأمر تعليما للعباد قيل ويحتمل أنه تعالى حمد نفسه على هذه النعمة الجليلة وجعل المصنف رحمه اللّه الحمد على هلاك الظلمة ، وبين أنه نعمة باعتبار ما ذكره ، وفي الانتصاف ونظير الأوّل قوله تعالى :وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ[ سورة الشعراء ، الآية : 173 ] قل الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى فيمن وقف هاهنا وجعل الحمد على إهلاك المتقدّم ذكرهم من الطاغين ، ومنهم من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانيته تعالى وأنه جل جلاله خير مما يشركون ، فعلى الأوّل يكون الحمد ختما ، وعلى الثاني فاتحة وهو مستعمل فيهما شرعا ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده وفي آية الأنعام ختم لما تقدّمه حتما إذ لا يقتضي السياق غيره . انتهى ، وقوله : أصمكم وأعماكم يعني أخذهما مجاز عما ذكر لأنه لازم له وفيه دليل على بقاء العرض زمانين لأنّ الأخذ لا يكون إلا للموجود وهو كلام حسن . قوله : ( أي بذاك ) إشارة إلى ما مرّ تحقيقه في سورة البقرة في قوله تعالى :عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ[ سورة البقرة ، الآية : 68 ] من أنّ اسم الإشارة المفرد يعبر به عن أشياء عدّة وأنّ الضمير قد يجري مجراه لكنه في اسم الإشارة أشهر وأكثر في الاستعمال فلذا تأوّل الضمير به ولذا قال رؤبة في تفسير قوله :فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهقأردت كان ذاك ففسر الضمير الراجع إلى ما تقدّم باسم الإشارة قال الزمخشري : والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليس على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذا جاء الذي بمعنى الجمع ومن غفل عن هذا قال إنّ هذا التأويل يجري في الضمير من غير حاجة إلى تأويل باسم الإشارة ، وفي مجالس النحاس إنه قيل لرؤبة ألا تقول كأنها فتحمله على الخطوط أو كأنهما فتحمله على السواد والبلق فغضب وقال كان ذاك بها توليع البهق فذهب إلى المعنى والموضع انتهى ، ويحتمل إنه يريد أنه أفرد مراعاة للخبر لأنّ التوليع اجتماع لونين ولفظه مفرد ومعناه مثنى فتأمّل ، وأما قول بعضهم فإن قيل ما وجه اعتبار اسم الإشارة وإقامة الضمير مقامه قلت للأشعار بأنّ الأمور المذكورة أمور ظاهرة فيكون الاحتجاج بها آكد فنا شيء من قلة التدبر . قوله : ( أو بما أخذ وختم ) يعني ضمير به راجع إلى المأخوذ والمختوم عليه الذي في ضمن ما مرّ لأنه بمعنى المسلوب منكم كما نقل عن الزجاج ، وليس في الكلام ما