تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
أنشأهما والفرق بين خلق ، وجعل الذي له مفعول واحد أنّ الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمين ، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية ، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها ، والأجرام الحاملة لها
شرح
سواء تعدى لواحد أو لاثنين ، والمصنف خالفه وخصه بالجعل المتعدي لواحد والتضمين في كلامه ليس هو المصطلح بأن يضمن فعل النقل ونحوه كما توهمه بعضهم ، وردّه صاحب الكشف وفسره بكونه محصلا من آخر كأنه كان في ضمنه ، وقيل الجعل يدل على شيئين أحدهما في ضمن الآخر بأن يكون تابعا له ، وقيل بأن يكون السابق يتضمن اللاحق بالقوّة لا الفعل فمعنى الجعل إخراج المعنى من القوّة إلى الفعل ، وقيل هو جعل شيء في ضمن شيء بأن يحصل منه أو يصير إياه أو ينقل منه ، أو إليه وبالجملة فيه اعتبار شيئين وارتباط بينهما ، وفي الخلق معنى الإيجاد بقدر وتسوية ، وقيل عليه إنّ التضمين بالمعنى المذكور لا يناسب الصور الثلاث الأول إلا بتكلف بعيد لا حاجة إليه والأولى أنّ جعل أعم من خلق لأنه لا يقال فيما ليس بمخلوق والخلق لا يقال فيما ليس بموجود ونحوه في الكشف ، وفيه تأمّل . وأعلم أنّ التضمين لغة جعل شيء في ضمن شيء كالظرف والمظروف أو جعله ضامنا له وملتزما له ، وهو قريب من الأوّل واقتصر المصنف رحمه اللّه على أحد قسمي الجعل فإن أراد أنه هو الواقع في النظم والمحتاج إلى الفرق وإن جرى في غيره فهو ظاهر ، وإن أراد ما في الكشاف وأن الفرق لا يتأتى في المتعدّي لمفعولين ، أو لا يطرد فيه فعليه منع ظاهر قيل ومن تعرّض لتصيير شيء شيئا وجعله من التضمين في بيان مراد المصنف رحمه اللّه فقد ضلّ سواء الطريق ، ولك أن تجيب عنه بأنه الإنشاء فيه معنى التصيير في الجملة وكذا النقل فيه معنى ذلك أيضا وفي الكشف تحقيقه أن الجعل بمعنى النقل من الصيرورة ، إلا أنه من صار إليه لا من صار كذا ، انتهى وهما متقاربان نهايته أنه تسامح في الإتيان متعدّيا خصوصا إن قلنا بالاحتمال الأوّل في كلام المصنف والأمر فيه سهل وفي الكشف الفرق بين الخلق والجعل أنّ التضمين واجب في الثاني ، وتضمين النقل مخصوص به والإنشاء مشترك والتصيير في نحو خلقناكم أزواجا محتمل . قوله : ( تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية الخ ) من الثنوية من ذهب إلى أنّ فاعل الخير النور وفاعل الشر الظلمة وهما في معتقدهما جسمان قديمان سميعان بصيران وسموهما بذلك على طريق النقل ، وأورد على هذا أمور ، الأوّل أنهما حينئذ ليسا بالمعنى الحقيقي المتعارف فمدّعاهم الفاسد يبطل بمجرّد هذا ، الثاني أنّ الرد يحصل بكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل ، ولو أتى بالخلق بدله حصل المقصود ، الثالث أنّ الجعل المتعدّي لواحد لا يقتضي كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله :وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً[ سورة النمل ، الآية : 80 ] وجعل :بَيْنَهُما بَرْزَخاً[ سورة الرحمن ، الآية : 20 ] إلى غير ذلك من الآيات والشواهد اللهم إلا أن يقال الجعل بمعنى الصنع
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 9 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي