بربهم يعدلون ، وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهنّ ، لأن طبقاتها مختلفة بالذات
شرح
تطابقه ، قلت تجعل لمجرّد الثناء كما في رب إني وضعتها أنثى للتحسر ، ولذا قال بعضهم حمل الكلام على ظاهره من الإخبار مع احتمال الإنشاء بأن يكون المراد به ثناء أثنى اللّه به على نفسه كما قال الإمام لأنّ الإخبار أدلّ على الاستحقاق من إنشاء فرد منه ومن لم يفهمه اعترض عليه بأن كون لمقصود ثناء اللّه على نفسه لا يوجب كون الجملة إنشائية البتة ، وأجاب بما لا طائل تحته ، وفي التعبير بالتنبيه إشارة إلى أنه في غاية الظهور ، وقيل إنما جعلها خبرية لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام عن معناه الوضعيّ من غير ضرورة . قوله : ( ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون ) عين تعلق الباء بيعدلون ، وكون يعدلون من العدل دون العدول ، ولم يقل على الذين يعدلون ليعمّ كلامه الاحتمالين لاقتضاء سياق كلامه ذلك هنا ألا ترى إلى تعريف المسند في قوله المستحق بلام التعريف الدالّ على التخصيص فتأمّل . قوله : ( وجمع السماوات دون الأرض الخ ) في المثل السائر من محسنات الكلام المؤاخاة بين الألفاظ فإذا جمع أحد المتقابلين ينبغي أن يجمع الآخر ، ولذا عيب على أبي نواس قوله :ومالك فاعلمن فيها مقام * إذا استكملت آجالا ورزقاوقيل : كان ينبغي أن يقول وأرزاقا وكنت أرى أن هذا الضرب من الكلام واجب حتى مرّ بي في القرآن ما يخالفه كقوله تعالى :يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ[ سورة النحل ، الآية : 48 ] وقوله :طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ[ سورة النحل ، الآية : 108 ] انتهى والزمخشريّ أشار في مواضع من الكشاف إلى أنه هو الأصل وأنه لا يعدل عنه إلا لنكتة وتبعه المصنف . قوله : ( وهي مثلهنّ ) إشارة إلى قوله تعالىاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ[ سورة الطلاق ، الآية : 62 ] قال المصنف في تفسيرها أي وخلق مثلهنّ في العدد من الأرض والظاهر منه التعدّد الحقيقيّ ، وقيل المراد الأقاليم السبعة . قوله : ( لأن طبقاتها مختلفة بالذات الخ ) وقال المصنف رحمه اللّه في سورة البقرة : جمع السماوات ، وأفرد الأرض لأنها طبقات متفاضلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين ، ومراده واحد فيهما إلا أنه أجمل هنا فعمم في الاختلاف لما يشمل اختلافهما ذاتا ، وحقيقة وقيل عليه إنه لا يوافق مذهب أهل السنة فإن الأجسام متساوية عندهم ، وبه استدل على جواز قبول السماوات الخرق والالتئام وإمكان المعراج ، ولا مجال لإرادة الاختلاف الشخصيّ لأن الأرض أيضا كذلك قال اللّه تعالى :وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ[ سورة الطلاق ، الآية : 12 ] وقد جاء في الأحاديث النبوة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « هل تدرون ما هذه قالوا : هذه أرض ، هل تدرون ما تحتها قالوا : اللّه ورسوله أعلم قال أرض أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عدّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام » « 1 » أخرجه الترمذيّ وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وردّ بأنه لا يلزم من كون
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3298 وأحمد 2 / 37 وابن أبي عاصم في السنة 578 وأبو الشيخ في العظمة -