لتقدّم الإعدام على الملكات ، ومن زعم أنّ الظلمة عرض يضادّ النور احتج بهذه الآية ، ولم يعلم أنّ عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل ،
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
شرح
في الحديث بمعنى العدم والنور بمعنى الوجود ولا يلائمه سياق الحديث ، والظاهر ما قيل الظلمة عدم الهداية وظلمة الطبيعة والنور الهداية ، والذي أرفعه فيه أنه اقتصر على رواية صدر الحديث ، ثم إنه قيل الصواب أن يقال في وجه التقديم التقابل مع قوله :خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ[ سورة الأنعام ، الآية : 73 ] وكونها متقدّمة في الخلق على النور على ما ورد في الأخبار الإلهية أنّ اللّه خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره فخلق النيرات لا يوافق ما مرّ من معنى الحديث الذي نطقت به الرواية ، وقد بقيت هنا كلمات تركناها لعدم جدواها قوله : ( ومن زعم أنّ الظلمة عرض يضادّ النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أنّ عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل ) يعني أنّ الجعل ليس بمعنى الخلق ، والإيجاد بل تضمين شيء شيئا وتصييره قائما به قيام المظروف بالظرف أو الصفة بالموصوف والعدم من الثاني فصح تعلق الجعل به ، وإن لم يكن موجودا عينيا لأنه ذكر في الطوالع أنّ العدم المتجدّد يجوز أن يكون بفعل الفاعل كالوجود الحادث هذا تحقيق كلامه ، ولا يرد عليه شيء أصلا فإنّ العدم إمّا مطلق صرف أو مقيد ومضاف كعدم الحياة أو عدم تقابل الملكة وقد مرّ تحقيقه ثمت ، وقال النحرير الظلمة عدم النور فإن أجرى هذا على إطلاقه كان بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب إلا أنّ الحكماء يقولون هو عدم النور عما من شأنه فبينهما تقابل العدم والملكة وعند بعض المتكلمين هو عرض ينافي النور فبينهما تقابل التضاد انتهى ، وما نقله عن الحكماء ليس بمتفق عليه فإنّ منهم من ذهب إلى الأوّل ، وهو مذهب الإشراقيين كما في حكمة الإشراق وفي شرحه للعلامة الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يستضيء على ما هو رأي المشائين أو عدم الضوء فحسب على ما هو رأي الأقدمين ، وارتضاه بما هو مبسوط ثمت وقيل إذا كان الجعل بمعنى الخلق وليس الفرق بينهما إلا ما مرّ لا يصح تعلقه بالعدم إلا أن يعم الخلق غير الإيجاد ، أو الإيجاد إيجاد الشيء ولو لغيره ، فإن جعل أعم منه فإن كان الإثبات في نفس الأمر الذي هو أعم من الخارج وإعدام الملكات ثابتة فيه ، وأمّا العدم الصرف أمّا المطلق فلا تحقق له أصلا إلا إذا ثبت كونه ذاتيا للإعدام المضافة ، وهو ممنوع لجواز كونه عرضا عامّا لها ولا يلزم من ثبوت شيء ثبوت عرضه وأمّا المضاف ، إلى غير الملكة فليس له ثبوت شبيه بالوجود الخارجي يرشدك إليه وضع الأسامي لإعدام الملكات كالظلمة والعمى دون غيرها انتهى وبما مر من تحقيق كلامه علمت أنه لا يرد عليه هذا والأحداث ليس بمعنى الإيجاد بل أعم منه والعدم مطلقا لا يصح إيجاده لأنه لا معنى للإيجاد إلا أحداث الوجود فلو أحدث فيه الوجود كان متصفا به فيلزم اجتماع النقيضين نعم عدم الملكة عدم بالفعل ووجود بالقوّة كما مر نقله عن الشفاء مع أنهم صرحوا بأنّ العدم المطلق جزء من العدم المقيد ، وقيل الجعل الإنشاء ، وهو أعم من إيجاده بنفسه أو إيجاده في محل بأن جعل المحل متصفا به ، ولا يخفى أنّ الموجودات