شرح
حصوله فيه فهما العدم والملكة المشهوران ، وإن لم يعتبر فيهما ذلك فهما السلب والإيجاب فالعدم المشهور في العمي والبصر هو ارتقاع الشيء الوجودي كالقدرة على الأبصار مع ما ينشأ من المادّة المهيأة لقبوله في الوقت الذي من شأنها ذلك فيه كما حقق في حكمة العين وشرحها فإذا تحققت أن كل قابل لأمر وجودي في ابتداء قابليته واستعداده متصف بذلك العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل تبين أن كل ملكة مسبوقة بعدمها لأنها وجود تلك الصفة بالقوّة ، وهو متقدّم على وجودها بالفعل ، وقال : خاتمة المحققين : لا بد في تقابل العدم ، والملكة أن يؤخذ في مفهوم العدمي كون المحل قابلا للوجوديّ ولا يكفي نسبة العدمي إلى المحل القابل للوجودي من غير أن يعتبر في مفهوم العدمي كون المحلّ قابلا له ، ولذا صرحوا بأنّ تقابل العدم والوجود تقابل السلب والإيجاب قال في الشفاء : العمى هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوّة وهذا لا بد منه في معناه المشهور انتهى فقول الفاضل المحشي فيه إن الجزئية غير مقيدة والكلية ممنوعة لتأخر الاعدام الطارئة عنها غير سديد ، ثم قال : فإن قلت أراد كل ملكة يتقدّمها العدم دون العكس قلت إن أريد تقدّم العدم السابق مطلقا ، ولو في وقت عدم الموضوع فليس ذلك بعدم ملكة لأنه عدمها عن الموضوع القابل بأن يتحقق الموضوع ولا تتحقق الملكة لا بأن لا يتحقق الموضوع كما لا يخفى وإن أريد تقدّمه في وقت وجود الموضوع ، فذلك غير متصوّر فيما لا تنفك الملكة عنه لكونها من لوازمه انتهى ، وهو غير وارد أمّا إن أريد الملكة الحقيقية فظاهر ، وأما إن أريد المعنى المشهور فلأنه يكفي وجود مادّة تقبل تلك الصفة ، والملازمة المذكورة توهم يضره ولا ينفعه ، ثم قال فإن قلت لم لا يكفي في المطلوب تقدّم بعض الإعدام على ملكاتها قلت معارض بتقدّم بعض الملكات على إعدامها لتوقف تصوّر الإعدام على تصوّر ملكاتها ، ولوجوديتها انتهى والفرق بين لزوم تقدّم الشيء بنفسه ولزوم تقدّم تصوّره ظاهر ألا ترى أن المفرد مقدّم على المركب في الوجود لتقدّم الجزء على الكل مع أنّ المركب مقدّم عليه في التصوّر ، ولذا قدّم تعريفه على تعريفه في المطالع ولك أن تقول عدم الملكة عدم مخصوص ، والعدم المطلق في ضمنه وهو متقدّم على الوجود في سائر المحدثات ، ولذا قال الإمام : إنما قدّم الظلمات على النور لأنّ عدم المحدثات متقدّم على وجودها كما جاء في حديث رواه أحمد والترمذي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما : « إن اللّه خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره » وفي أخرى : « ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى ، ومن أخطأه ضلّ فلذلك جف القلم بما هو كائن » « 1 » ، فعلى ما ذكره الإمام الظلمة
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 2642 وأحمد 2 / 176 وابن أبي عاصم في السنة 243 و 244 والبزار 2145 من حديث عبد اللّه بن عمرو ، وصححه ابن حبان 6169 و 6170 وكذا الحاكم 1 / 30 ووافقه الذهبي ، وهو كما قالوا .