بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
الإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني والمعنى أنه ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم أو قبائح أعمالهم ، فتمنوا ذلك ضجرا لا عزما على أنهم لو ردّ وإلا آمنوا
وَلَوْ رُدُّوا
أي إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور
لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
من الكفر والمعاصي
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
فيما وعدوا من أنفسهم
وَقالُوا
عطف على لعادوا
شرح
فلم يتحدّا وقرئ شاذا بعكس قراءة ابن عامر . قوله : ( الإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني الخ ) يعني بل للإضراب عن تمنيهم الباطل الناشئ من إبداء ما يفضحهم وهو إن رددنا لم نكذب أي ليس ذلك عن عزم صحيح بل هو من إبداء ما افتضحوا به أي ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا ، وفي الكشاف بل بدا لهم ما كانوا يخفون من الناس من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرا إلا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا وقيل إنه في المنافقين وإنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرّونه ، وقيل هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولو ردّوا إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمعاصي فهذه ثلاثة وجوه ، الأوّل إنه في المشركين وإنه أظهر اللّه قبائحهم من غير الشرك أو الشرك الذي أنكروه في موقف آخر فتمنوا ضجرا ما تمنوا إلا عزما وقدّمه لأنه الظاهر إذ ما قبله متعلق بهم فإنهم في بعض المواقف جحدوا الشرك وقالوا :وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَففضحهم اللّه ، والثاني أنه في المنافقين لأنهم الذين كانوا يخفون الكفر ولكنه لا يناسب ما قبله ، والثالث أنه في أهل الكتاب مطلقا أو علمائهم والذي أخفوه نبوّة خاتم الرسل صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل المراد بدا لهم وبال ما كانوا يخفون ولا يرد أنّ المناسب خفاؤه لا إخفاؤه لأنّ الإخفاء يستلزم الخفاء مع ما فيه من توبيخهم بقبيح وصفهم ، وقدّم المصنف رحمه اللّه كونه في المنافقين لملاءمته لظاهر الآية ولو أخره لكان أولى وترك الثالث لأنه ليس في السياق والسباق ما يدل عليه . قوله : ( لا عزما الخ ) أي ليس عزما معتدّا به لعلم اللّه بتخلفه لو عادوا كما يدل عليه قوله ولو ردّوا الخ ولا ينافيه تصميمهم عليه عند شدّة الأهوال وقيل عزما صحيحا بإرادة نفس الطاعة والإيمان من حيث هو فإنه كان لخوف العقاب لا لذاته وفيه نظر ، وقوله : فتمنوا ذلك بناء على أنّ ما سبق داخل في حيز التمني ظاهر وأما على الوجه الأخير ففيه تأمّل ثم إنّ هذا هل يدل على جواز الكذب يوم القيامة أم لا فيه كلام في شروح الكشاف وقد مرّ تفصيله . قوله : ( بعد الوقوف والظهور ) لسبق قضاء اللّه بذلك فإنهم لخبث طينتهم ونجاسة حليتهم يذهلون عما رأوه فلا يرد أنّ العاقل لا يرتاب فيما شاهده حتى يعود إلى موجب العذاب الأليم ، وأمّا أن المراد أنهم لو ردّوا إلى حالهم الأولى من عدم العلم والمشاهدة على أنه من إعادة المعدوم فلا يناسب مقام ذمّهم بغلوّهم في الكفر والإصرار وكونه جوابا لما مرّ من تمنيهم . قوله : ( من الكفر والمعاصي ) إشارة إلى ما مرّ في نصب ونكون وحده من أنّ عدم تكذيبهم بآيات اللّه تصديقهم بها وهو عين كونهم مؤمنين فكيف يقع جوابا له وقد دفع بأنا لا نسلم أنّ المراد به ذلك وليس عدم التكذيب بها عين التصديق ولا مستلزما له كمن