تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
على عذر الرسول في استغفاره وهو عدم يأسه من إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
[ سورة التوبة ، الآية : 81 ]
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
بقعودهم عن الغزو خلفه يقال أقام خلاف الحيّ أي بعدهم ، ويجوز أن يكون بمعنى المخالفة فيكون انتصابه على العلة أو الحال
وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
إيثارا للدعة ، والخفض على طاعة اللّه ، وفيه تعرض بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه ببذل الأموال والمهج
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
أي قاله بعضهم لبعض : أو قالوه للمؤمنين تثبيطا
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
وقد آثرتموها بهذه المخالفة
لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
أنّ مآبهم إليها أو أنها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
شرح
السابقة لا هذه فقد وهم . قوله : ( والتنبيه على عذر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في استغفاره ) وهو مجرور عطف على الدليل وجوّز رفعه بالعطف على محل الجارّ والمجرور ، وقد قيل : إنه لا عذر عن الاستغفار الثاني بعد نزول الآية إلا أن يقال بتراخي نزول قوله :ذلِكَ بِأَنَّهُمْالخ عن قوله استغفر لهم ، وقيل هذا العذر إنما يصح لو كان استغفاره للحيّ كما مرّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وفيه نظر ، وقوله بعد العلم بموتهم كفارا أو إعلامه ذلك بالوحي . قوله : ( بقعودهم عن الغزو خلفه الخ ) يعني مقعد مصدر ميميّ بمعنى القعود ، وخلاف ظرف بمعنى خلف ، وبعد كما استعملته العرب بهذا المعنى ، وقيل مقعد اسم مكان والمراد به المدينة ، وقال المخلفون : ولم يقل المتخلفون لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم منع بعضهم من الخروج فغلب على غيرهم أو المراد من خلفهم كسلهم أو نفاقهم ، أو لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أذن لهم في التخلف ، أو لأنّ الشيطان أغراهم بذلك وحملهم عليه كما في الكشاف ، واستعمال خلاف بمعنى خلف لأنّ جهة الخلف خلاف الإمام . قوله : ( ويجوز أن يكون بمعنى المخالفة ) فهو مصدر خالف كالقتال فيصح أن يكون حالا بمعنى مخالفين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو مفعولا لأجله أي لأجل مخالفته لأن قصدهم ذلك لنفاقهم ، ولا حاجة إلى أن يقال قصدهم الاستراحة ، ولكن لما آل أمرهم إلى ذلك جعل علة فهي لام العاقبة ، وهو علة إما للفرح أو للقعود . قوله : ( إيثارا للدعة والخفض ) الدعة الراحة ، والتنعم بالمآكل والمشارب والخفض بمعناه وكرهوا مقابل فرح مقابلة معنوية لأنّ الفرح بما يحب ، وقوله عليها أي الدعة والمهج جمع مهجة وهي هنا بمعنى الأنفس ، وإن كان أصل معناه الروح أو القلب أو دمه ووجه التعريض ظاهر ، لأنّ المراد كرهوه لا كالمؤمنين الذين أحبوه والتثبيط التعويق كما مرّ ، وقوله : ( وقد آثرتموها ) الخ فسر به ليرتبط بما قبله . قوله : ( أنّ مآبهم إليها الخ ) تقدير لمفعول يفقهون أي لو كانوا يعلمون أنّ مرجعهم النار ، أو لو كانوا يعلمون شدة عذابها لما آثروا راحة زمن قليل على عذاب الأبد وأجهل الناس من صان نفسه عن أمر يسير يوقعه في ورطة عظيمة ، وقوله كيف هي تقدير آخر لمفعول يفقهون ، أي لو يعلمون أحوالها