تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل عليه الصلاة والسّلام فنزلت فقال عليه الصلاة والسّلام : « لأزيدنّ على السبعين » فنزلت :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
وذلك لأنه عليه الصلاة والسّلام فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجوز أن يكون ذلك حدّ يخالفه حكم ما وراءه فبين له أنّ
شرح
الشق الآخر لكنه يعلم من عدم المغفرة مع الاستغفار عدمها بدونه بالطريق الأولى فلذا جعله مساويا لمعنى التسوية . قوله : ( روي أنّ عبد اللّه بن عبد اللّه الخ ) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم بمعناه عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، وكذا رواه ابن ماجة والنسائيّ كما مرّ وهذا هو الصحيح المشهور في سبب النزول ، وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنّ سبب نزولها أنه لما نزل قوله تعالى :سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌسأله اللامزون الاستغفار لهم فنهاه اللّه عنه ، وقيل إنه استغفر لهم فنهى عنه فتشتدّ مناسبتها لما قبلها ومنه علم اختلاف الرواية في وقوع الاستغفار وعدمه واختار الإمام عدمه ، وقال : إنه لا يجوز الاستغفار للكافر فكيف يصدر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم وردّ بأنه يجوز لأحيائهم بمعنى طلب سببه ، وهو توفيقهم للإيمان وإيمانهم ، وإما أنّ النهي ليس لمعنى ذاتيّ حتى يفيد تحريمه فيجوز لتطييب خاطر أو لحمل الأحياء منهم على الإيمان ونحوه ، ففيه نظر وكذا قوله إنّ الاستغفار للمصرّ لا بنفعه لأنه لا قطع بعدم نفعه إلا أن يوحى إليه أنه لا يؤمن كأبي لهب ، وإما أنّ استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم للمنافقين إغراء لهم على النفاق فضعيف جدّا ، وكذا قوله إذا لم يستجب اللّه دعاءه كان نقصا في منصب النبوّة ممنوع لأنه قد لا يجاب دعاؤه لحكمة كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه بقوله وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ، وكذا قوله إنه لا فرق في ذلك بين القليل والكثير ، وبالجملة فهذه معارضات لا وجه لها مع مقابلة النص فتدبر . قوله : ( فنزلت سواء عليهم استغفرت لهم الخ ) أورد عليه أنّ سورة براءة آخر ما نزل فكيف تكون هذه الآية نازلة بعدها ، وهي من سورة أخرى فإن أجيب بأنه باعتبار أكثرها وصدرها فلا مانع من تأخر نزول بعض الآيات عنها منع بأنّ هذه الآية من سورة المنافقين ، وصدرها يقتضي أنها نزلت في غير هذه القصة لأنّ أوّلها :وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ[ سورة المنافقون ، الآية : 5 ] لهم الخ وكونها نزلت مرّتين لا يقال بالرأي فالحق أنّ هذا مشكل فتدبر . قوله : ( وذلك لأنه عليه الصلاة والسّلام فهم من السبعين الخ ) خالف الزمخشريّ في قوله إنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخف عليه ذلك ، وهو أفصح الناس وأعرفهم باللسان ولكنه خيل بما قال : إظهارا لغاية رأفته ورحمته على من بعث إليه كقول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام : « ومن عصاني فإنك غفور رحيم » يعني أنه أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص دون التكثير فجوّز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة والرحمة كما جعل إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك عبادة الأصنام قوله : ( فإنك غفور رحيم ) دون أن يقول شديد العقاب فخيل أنه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم وحثا على الاتباع لما قيل إنه بعد ما فهم منه التكثير فذكره للتمويه ،
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 610 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي