علمهم بأنه لا ينفهم من فرط الحيرة والدهشة كما يقولون : ربنا أخرجنا منها وقد أيقنوا بالخلود ، وقيل معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا وهو لا يوافق قوله :
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى
شرح
تبعا للزمخشري من قبيل من كانت أمّك فقد رد بأنه ليس مما نحن فيه لأنّ من لفظها مذكر ومعناها مؤنث ، ويجوز فيها مراعاة اللفظ والمعنى فليس تأنيثه لأجل الخبر لكنه في الدرّ المصون نقله بعينه عن أبي عليّ ، وقال إنّ للتأنيث علتين مراعاة الخبر ومراعاة المعنى والنكات لا تتزاحم ، فلا مانع من اعتبار هذه مرّة وهذه أخرى مع أنه قيل إنه مناقشة في المثال وليست من دأب المحصلين . قوله : ( يكذبون ويحلفون الخ ) فهو كما قيل :ويكون أكذب ما يكون إذا حلفواختلف في جواز الكذب على أهل القيامة فمنعه أبو عليّ الجبائي والقاضي ، وذهب الجمهور إلى جوازه مستدلين بهذه الآية ونحوها فإنهم في القيامة حلفوا على أنهم ما كانوا مشركين وهو كذب ، واحتج المنكرون بأنّ حقائق الأشياء تنكشف حينئذ فإذا اطلع أهلها على الحقائق وعلى أنها لا تخفى عليه تعالى وأنه لا منفعة لهم في ذلك استحال صدوره عنهم ، وأجابوا عن الآية بأنّ المعنى ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا وذلك لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم موحدون متباعدون عن الشرك ، ثم اعترضوا على أنفسهم بأنهم على هذا التقدير يكونون صادقين فيما أخبروا فلم قال تعالى :انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا[ سورة الأنعام ، الآية : 24 ] يعني في قولهم ما كنا مشركين وأجابوا بأنه ليس المراد به أنهم كذبوا في الآخرة بل المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا ، وأورد حجتهم وأجاب بأنهم لما عاينوا هول القيامة دهشوا وحاروا فقالوا ذلك القول الكذب وإن لم ينفعهم كما حكى اللّه عنهم :رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ[ سورة المؤمنون ، الآية : 107 ] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله :وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ[ سورة الأنعام ، الآية : 28 ] وكذلك قالوا يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص ، وأجاب عما أجابوا به عن الدليل بأنّ قولهم المراد ما كنا مشركين عند أنفسنا تمحل وتعسف لمخالفته الظاهر ، وحمل قوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم على الكذب في الدنيا تحريف لكلام اللّه لأنّ ما قبله وما بعده ليس في أحوالها فتخلل أمر الدنيا تفكيك للنظم ، ثم استدل بآية أخرى لا يتطرّق إليها التأويل إلا بتكلف بعيد وهي قوله تعالى :يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ[ سورة المجادلة ، الآية : 18 ] الآية وفي الانتصاف في هذه الآية دليل بين على أنّ الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به كذب وإن لم يعلم المخبر بمخالفة خبره لمخبره ، ألا تراه جعل أخبارهم وتبريهم كذبا مع أنه تعالى أخبر أنهم ضلّ عنهم ما كانوا يفترون أي سلبوا علمه حينئذ دهشا وحيرة فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم . انتهى وفيه بحث ، وقوله : ( أيقنوا بالخلود ) نظر فيه بأنه من أين يعلم أنهم موقنون بالخلود فليتأمّل .
قوله : ( تعسف يخل بالنظم ) قال النحرير : التعسف الأخذ في غير الطريق لأنّ الآية لا تدل على