شرح
أو هو بتقدير مضاف أي أين نفعهم وجدواهم ، وفي الكشاف إنما يقال لهم ذلك على جهة التوبيخ ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة فكأنهم غيب عنهم ، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فيروا مكان خزيهم وحسرتهم وهي ثلاثة وجوه ، الأوّل أن يقال لهم ذلك على سبيل التوبيخ كقوله :وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ[ سورة الأنعام ، الآية : 94 ] والثاني أنه قيل لهم وهم يشاهدونهم تعييرا كما تقول لمن جعل أحدا ظهيره يعينه في الشدائد إذا لم يعنه وقد وقع في ورطة بحضرته أين زيد فجعلته لعدم نفعه وإن كان حاضرا كالغائب ، أو يقال حين يحال بينهم بعد ما شاهدوهم ليشاهدوا خيبتهم كما قيل :كما أبرقت قوما عطاشا غمامة * فلما رأوها أقشعت وتجلتوهو في الثاني مجاز وفي غيره حقيقة وقيل إنّ قوله ويجوز وأن يحال وجهان في تقرير التوبيخ لا وجهان مقابلان للتوبيخ لتصير الأوجه ثلاثة أي إنما قيل للمشركين أين شركاؤكم للتوبيخ والتقريع ثم إمّا أن يكون هذا التوبيخ مع حضور الشركاء ومشاهدة المشركين إياهم ، وأمّا أن يكون في غيبتهم وإيراد هذين الاحتمالين لئلا يسبق الوهم إلى أنّ ذلك القول لا يصح إلا في غيبة الشركاء وإنما يكون كذلك لو كان المقصود منه السؤال هذا محصل كلام الشراح ، والكل متفقون على أنّ السؤال لم يقصد به ظاهره لكن اختلفوا في الوجوه هل هي ثلاثة للتغاير الاعتباري بينها أو وجهان لبيان التوبيخ والخلاف في ذلك سهل ، فأمّا ما قيل عليه من أنّ هذا السؤال المنبي عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها لقوله :احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا[ سورة الصافات ، الآية : 22 ] الآية وغيرها إنما يقع بعد ما جرى بينها وبينهم من التبرىء من الجانبين وقطع ما بينهم من الأسباب حسبما يحكيه قوله تعالىفَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْالخ ونحوه أمّا بعد حضورها حينئذ في الحقيقة وإبعادها من ذلك الموقف وإمّا بتنزيل عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها في الحقيقة إذ ليس السؤال عنها من حيث ذواتها بل من حيث هي شركاء كما يعرب عنه الوقف بالموصول ، ولا ريب في أنّ عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو موصوف فهي من حيث هي شركاء غائبة لا محالة وإن كانت حاضرة من حيث ذواتها أصناما كانت أو لا وإمّا ما يقال من أنه يحال بينها وبينهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها فيروا خزيهم وحسرتهم فربما يشعر بعدم شعورهم بحقيقة الحال وعدم انقطاع حبال رجائهم عنها بعد ، وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ ، وإنما الذي يحصل في الحشر الانكشاف الجلي واليقين القوي المترتب على المحاضرة والمحاورة انتهى . فتخيل لا أصل له لأنّ التوبيخ مراد في الوجوه كلها ولا يتصوّر حينئذ التوبيخ إلا بعد تحقق خلافه مع أنّ كون هذا وقع بعد التبري في موقف آخر ليس في النظم ما يدل