إنزال السورة فيكم ، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
روي أنّ ركب المنافقين مرّوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك فقال : « انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشأم وحصونه هيهات هيهات فأخبر اللّه تعالى به نبيه فدعاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا لا واللّه ما كنا في شيء من أمرك وأمر أصحابك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضننا على بعض السفر
قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ
توبيخا على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء به ، وإلزاما للحجة عليه ، ولا يعبأ باعتذارهم الكاذب
لا تَعْتَذِرُوا
لا تشتغلوا باعتذاراتكم فإنها
شرح
إلا أن يراد ما يحذرون بموجب هذا الأمر ، وقوله كانوا يقولونه فيما بينهم استهزاء أي يقولون نحذر أن تنزل الخ على طريق الاستهزاء فعلى هذا لا دلالة فيها على تردّدهم في كفرهم ، وقوله لقوله لأنها تدل على أنه وقع منهم استهزاء بهذه المقالة ، وعلى غير هذا الوجه فالمراد نافقوا لأنّ المنافق مستهزئ فكما جعل قولهم آمنا ، وما هم بمؤمنين مخادعة في البقرة جعل هنا استهزاء . قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَأي مبرزه كان الظاهر ، أن يقال إنّ اللّه منزل سورة كذلك أو منزل ما تحذرون لكنه عدل عنه للمبالغة إذ معناه مبرز ما تحذرونه من إنزال السورة أو لأنه أعمّ إذ المراد مظهر كل ما تحذرون ظهوره من قبائحكم ، وإسناد الإخراج إلى اللّه إشارة إلى أنه يخرجه إخراجا لا مزيد عليه والمساوي ضدّ المحاسن جمع سوء على خلاف القياس ، وأصله الهمزة ، وقوله : روي الخ أخرجه ابن جرير عن قتادة . قوله : ( تحذرونه ) إشارة إلى أنّ حذر المخفف متعدّ فإنّ أن تنزل مفعوله لا على تقدير من لأنه تعدّى بالتضعيف إلى مفعولين كقوله :وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[ سورة آل عمران ، الآية : 28 ] ويدل عليه أيضا ما أنشده سيبويه رحمه اللّه تعالى :حذر أمورا لا تضير وآمن * ما ليس ينجيه من الأقداروقيل : إنه مصنوع ، وقال المبرد إنه غير متعد لأنه من هيئات النفس كفزع ، ورد بأنه غير لازم إذ من الهيئات ما يتعدّى كخاف وخشي فعنده أن تنزل على إسقاط الجار . قوله : ( لا واللّه ما كنا في شيء من أمرك الخ ) يقتضي أنهم أنكروا القول رأسا ، وفي التفسير الكبير أنهم ما أنكروه بل قالوا قلناه ، وإنما نلعب ونلهي لتقصر مسافة السفر بالحديث ، والمداعبة وهو أوفق بظاهر النظم ، وقوله ليقصر من التفعيل . قوله : ( توبيخا على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء به الخ ) يعني الاستفهام التوبيخي أولى المتعلق إيذانا بأنّ الاستهزاء وقع لا محالة لكن الخطأ في المستهزأ به فقد أخطأتم لوضعه في غير موضعه لأنّ تقديم المتعلق يستدعي حصول الفعل ، وإنكار متعلقه كما قرّره السكاكيّ وإليه أشار المصنف بقوله بمن لا يصح الخ ، وإلزام الحجة بإثبات ما أنكروه . قوله : ( ولا تعبأ ) ضبط بالخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، والجزم بلا الناهية وهو معطوف على قل وتعبأ من عبأت بفلان عبأ باليت واعتددت به ، واعتذارهم قولهم :كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُوهو تفسير له لأنّ قول ذلك لهم بعد إنكارهم لعدم الاعتداد به . قوله : ( لا تشتغلوا