تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
مصارف الصدقات تصويبا وتحقيقا لما فعله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
أي الزكوات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم ، وهو دليل على أنّ المراد باللمز لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم ، والفقير من لا مال له ولا كسب ، يقع موقعا من حاجته من الفقار كأنه أصيب فقاره ، والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه من السكون كأنّ العجز أسكنه ، ويدل عليه قوله تعالى :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ
[ سورة الكهف ،
شرح
من محل الجار والمجرور ، وأخرى صفة لكل منهما ، وقوله أكثر مما آتانا جعله أكثر لأنه المتبادر من جعله فضلا ، وأكثر تسلية فلا يقال إنه لا حاجة إليه بل يكفي أن يكون مثله لأنه لما كان سخطهم لقلة العطية ناسب أن يكون المعنى سيعطينا أكثر مما أوجب السخط وهذا بناء على أنّ معنى الآية ، ولو أنهم رضوا ما آتاهم اللّه ، وإن قلّ فيكون معنى قوله فإن أعطوا منها أعطوا ما أرادوا وإن لم يعطوه سخطوا لا إن لم يعطوا شيئا ، وهذا أحد احتمالين للمفسرين ، ولذا قيل ظاهر هذه الآية أنهم لا يرضون بما أعطوا وهو خلاف ما يدل عليه ما قبله فإن حملت الآية الثانية على الغنيمة فلا إشكال إذ المعنى رضوا به ، وإن لم يعطوا غيره ، وإن أريدت الصدقة فتحمل الآية الأولى على أنهم إن أعطوا بقدر طمعهم ، وقوله والجواب محذوف لا قالوا والواو زائدة كما قيل . قوله : ( ثم بين مصارف الصدقات تصويبا الخ ) يعني لما ذكر المنافقون وطعنهم وسخطهم بين أنّ فعله لإصلاح الدين ، وأهله لا لأغراض نفسانية كأغراضهم فانطبقت هذه الآية وما فيها من الحصر المستدعي لإثباته لم ذكر ونفيه عمن عداه يعني الذي ينبغي أن يقسم مال اللّه عليه من اتصف بإحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه حسما لأطماعهم فظهر جواب أنه كيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين وقوله الزكوات تفسير للصدقات ليخرج غيرها من التطوع . قوله : ( وهو دليل على أنّ المراد باللمز الخ ) هذا إشارة إلى أنّ التفسير الأوّل وهو قوله قيل إنها نزلت في أبي الجوّاظ ، وأنه في الصدقات هو المرضيّ عنده . قوله : ( والفقير من لا مال له ولا كسب الخ ) هذا قول الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه ، وما حكاه بقيل قول أبي حنيفة رحمه اللّه فعنده الفقير من له أدنى شيء ، وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير تامّ ، وهو مستغرق في الحاجة والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته ، وما يواري بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأوّل حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه ، وعند بعضهم لا يحل لمن كان كسوبا أو يملك خمسين درهما ، ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيرا ، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة بالحاجة ، ولذا قلنا يجوز للعالم وإن كان له كتب تساوي نصبا كثيرة إذا كان محتاجا إليها للتدريس ، ونحوه بخلاف العامّي ، وعلى هذا جميع آلات المحترفين ، ووجه كون الفقير أسوأ حالا لقوله تعالى :أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ[ سورة الكهف ، الآية : 79 ] إذ أثبت للمسكين سفينة .