تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
بذكر الانذار عن ذكر البشارة .
وَمَنْ بَلَغَ
عطف على ضمير المخاطبين ، أي لا نذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر ، أو من الثقلين أو لأنذركم به أيها الموجودون ، ومن بلغه إلى يوم القيامة وفيه دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ، ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه
أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى
تقرير لهم مع إنكار
شرح
وإيضاحه أنه في الآية قرن الجوع الذي هو خلوّ الباطن بالعرى الذي هو خلوّ الظاهر والظمأ الذي فيه حرارة الباطن بالضحاء الذي فيه حرارة الظاهر كما قرن امرؤ القيس علوّه على الجواد بعلوّه على الكاعب لأنهما لذتان في استعلاء وبذل المال في شراء الراح ببذل الأنفس في الكفاح الرابح بسرور الطرب وسرور الظفر وكذا هنا آثر الضرّ لمناسبة ما قبله من الترهيب فإن انتقام العظيم عظيم ، ثم لما ذكر الإحسان أتى بما يعمّ أنواعه ، وفي شرح المتنبي للواحديّ تفصيل لهذا لكنها لما كانت فائدة جليلة تعرض لها المعرب هنا أحببنا أن لا يخلو هذا السفر عنها . قوله : ( واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة ) لأنه المناسب للمقام ، وأمّا كون الخطاب للكفار وليس فيهم من يبشر فقد ردّ بأنه ليس بمتعين إذ يجوز عمومه ، وأن يكون لأهل مكة مطلقا سواء مسلموهم وكافروهم مع أنه يجوز تبشيرهم إن آمنوا وعملوا الصالحات وهو غير وارد لأنّ القائل بناه على كون الخطاب لكفارهم ومثله يكفي نكتة للاقتصار على الإنذار ، وفي الدرّ المصون إنه على حدّ قوله :سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ[ سورة النحل ، الآية : 81 ] ويمكن حمل كلام المصنف رحمه اللّه عليه ومحل من نصب على الضمير المنصوب أو رفع على الفاعل المستتر للفصل بالمفعول . قوله : ( وسائر من بلغه من الأسود والأحمر ) قال الحريريّ في الدرّة العرب تقول في الكناية عن العرب والعجم الأسود والأحمر لأنّ الغالب على ألوان العرب الأدمة والسمرة والغالب على ألوان العجم البياض والحمرة . قالوا : والمراد بالحمرة هنا البياض ومن قال الأسود والأبيض فقد خالف الاستعمال ، ومراد المصنف رحمه اللّه جميع الناس لأن العجم من عدا العرب وأمّا تخصيصه بفارس فعرف الاستعمال . قوله : ( أو من الثقلين ) يعني الإنس والجنّ سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض وحمولتها أو لغير ذلك كما سيأتي في محله وهذا بيان لمعنى النظم هنا لا ترديد في كون رسالته للثقلين لأنه أمر مقرّر . قوله : ( وفيه دليل على أنّ أحكام القرآن تعم الموجودين الخ ) أي في قوله ومن بلغ إذ المراد به من لم يكن في عصره منهم ومن غيرهم لعموم من غير الموجود فلا يرد أنه إذا احتمل اللفظ معاني كيف يبقى دليلا ، وقيل دلالته مخصوصة ببعض الوجوه وهو شمول الخطاب الشرعيّ لغير الموجود بطريق التغليب أو القياس أو غير ذلك مما هو مبسوط في أصول الفقه ، وكون من لم تبلغه غير مؤاخذ مبنيّ على مذهبه في القول بالمفهوم قيل ولا دلالة على ذلك بوجه من وجوه الدلالة لأنّ مفهومه انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وذلك ليس عين انتفاء المؤاخذة ، وهو ظاهر ولا مستلزما له خصوصا عند القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين إلا أن يلاحظ قوله تعالى :وَما