تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
بهتك حرمتها وارتكاب حرامها ، والجمهور على أنّ حرمة المقاتلة فيها منسوخة ، وأوّلوا الظلم بارتكاب المعاصي فيهنّ فإنه أعظم وزرا كارتكابها في الحرم وحال الإحرام ، وعن عطاء أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم وفي الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ، ويؤيد الأوّل ما روي أنه عليه الصلاة والسّلام حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوّال ، وذي القعدة
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
جميعا وهو مصدر كفّ عن الشيء فإنّ الجميع مكفوف عن الزيادة ، وقع موقع الحال
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
بشارة وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم
إِنَّمَا النَّسِيءُ
أي تأخير حرمة الشهر إلى
شرح
العدّة كذلك الذي رجحه الإمام بأنّ كونها أربعة محرمة مسلم عند الكفار ، وإنما القصد الردّ عليهم في النسيء والزيادة على العدّة لأنّ التفريع الذي بعده يقتضيه فتأمّل . قوله : ( وارتكاب حرامها ) لك أن تفسر هتك حرمتها بالقتال فيها وارتكاب حرامها بارتكاب المحرّمات على تفسيري الظلم فيتغايران ، وأن تجعل الثاني تفسيرا له أي ارتكاب الحرام فيها فالإضافة على معنى في أو لأدنى ملابسة . قوله : ( والجمهور على أنّ حرمة المقاتلة فيها منسوخة ) واختلف في الناسخ لها ، ولذا لم يذكره المصنف رحمه اللّه للاختلاف فيه مع أن الأصح النسخ ، وأن الظلم هنا مؤوّل بارتكاب المعاصي فيها وتخصيصها به مع أنه مطلق لتعظيمها وأن الإثم فيها أشدّ من غيرها كما في الحرم وشهر رمضان وحال الإحرام ، وقوله : ( عن عطاء الخ ) هو عطاء بن أبي رباح ، وهو المراد حيث أطلق ، وقوله إلا أن يقاتلوا بصيغة المجهول والضمير للمسلمين أو المعلوم والضمير للكفار وإنما استثنى هذا لأنه للدفع فلا يمنع منه بالاتفاق أو لأنّ هتك حرمته ليس منهم بل من البادئ . قوله : ( ويؤيد الأوّل ) أي القول بالنسخ المقابل لقول عطاء وما ذكره من كون غزوة حنين في شوّال وذي القعدة رواية صحت عنده ، وقال محمد في الأصل إنه حاصر الطائف من مستهل المحرّم أربعين يوما ، وفتحها في صفر وهو يدل على النسخ أيضا ، ونقل النسفي عن الواقدي أنه خرج لها في سادس شوّال وهزمهم فهرب أميرهم مالك بن عوف مع بقيتهم وتحصنوا بالطائف فتبعهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومعه المسلمون وحاصرهم بقية الشهر فلما دخل ذو القعدة وهو من الحرم انصرف فأتى الجعرانة ، وقسم السبي والأموال وأحرم بعمرة منها . قوله :
( جميعا ) هذا هو المراد منه وهو في الأصل مصدر انتصب على الحال ، وهل يلزم النصب على الحال ، ولا يتصرف أولا فيه كلام بسطناه في شرح الدرة وهو بمعنى المفعول لأنه مكفوف عن الزيادة ، ويجوز أن يكون اسم فاعل لأنه يكف عن التعرّض له ، أو التخلف عنه وهو حال إمّا من الفاعل أو المفعول أي لا يتخلف أحد منكم عن القتال أو لا تتركوا قتال أحد منهم ، وقوله : ( بشارة الخ ) لأنّ الجند الذين معهم لا يشك في نضرتهم ، وقوله : ( بسبب تقواهم ) لأنّ التعليق بالمشتق يفيد عليه مأخذ الاشتقاق كما مرّ مرارا .
فائدة : كان القتال في صدر الإسلام فرض عين ، ثم نسخ وأنكره ابن عطية رحمه اللّه تعالى . قوله : ( تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر الخ ) جعله مصدرا على فعيل كالنذير والنكير