حقها لقوله عليه الصلاة والسّلام فيما أورده الشيخان مرويا عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه : « ما من صاحب ذهب لا فضة لا يؤدّي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره »
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
هو الكيّ بهما
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ
أي يوم توقد النار ذات حمى شديد عليها وأصله تحمى بالنار فجعل الإحماء للنار مبالغة ، ثم حذفت النار وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير وإنما قال عليها والمذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة ، كما قال علي رضي اللّه تعالى عنه أربعة آلاف وما دونها نفقة ، وما فوقها كنز ، وكذا قوله
وَلا يُنْفِقُونَها
وقيل الضمير فيهما للكنوز أو للأموال فإن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التموّل أو للفضة وتخصيها لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم
فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ
لأنّ جمعهم وامساكهم إياه كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس
شرح
وقيل إنه كان قبل أن تفرض الزكاة والشيخان حيث أطلقا عند المحدثين البخاري ومسلم ، وهو المراد الحديث : رواه الطبراني والبخاري في تاريخه ، وقوله : ( إلا إذا ) المستثنى فيه الجملة من الشرط وجوابه ، وتصفيحها بسطها ومدّها حتى تصير صفيحة وفسر العذاب بالكيّ بهما لأنّ يوم الخ تفسير له . قوله : ( أي يوم توقد النار ذات حمى الخ ) يعني أنّ أصله ما ذكر لكنه عدل عنه للمبالغة لأنّ النار في نفسها ذات حمى فإذا وصفت بأنها تحمي دلّ على شدّة توقدها ، ثم جعلت مستعلية على الكنوز فطوى ذكرها وحول الاسناد إلى الجار والمجرور فأفاد شدّة حرّ الكنوز المكوى بها وقرىء تحمى بالتاء الفوقية بإسناده إلى النار كأصله وقراءته بالياء لأنّ الفاعل ظاهر والتأنيث غير حقيقي ، وبها فاصل . قوله : ( وإنما قال عليها والمذكور شيئان الخ ) أي الظاهر في هذه الضمائر والتثنية فلم أتى بضمير المؤنث فذكر أن وجهه أنه ليس المراد بهما مقدار معين منهما ، والجنس الصادق بالقليل والكثير منهما بل الكثير لأنه هو الذي يكون كنزا فأتى بضمير الجمع للدلالة على الكثرة ولو ثنى احتمل خلافه وأيده بما روي عن علي كرّم اللّه وجهه كما رواه ابن حبان وابن حاتم موقوفا عليه ، والتوجيه الآخر أن الضمائر عائدة على الكنوز أو الأموال المفهومة من الكلام فيكون الكلام عاما ، ولذا عدل فيه عن الظاهر والتخصيص بالذكر لأنهما الأصل الغالب في الأموال لا للتخصيص والقانون لفظ روي معرّب جمعه قوانين ، وهو في الأصل بمعنى المسطر ، ثم استعمل بمعنى الأصل . قوله : ( أو للفضة الخ ) وجه آخر وهو أن الضمير للفضة واكتفى بها لأنها أكثر والناس إليها أحوج ولأنّ الذهب يعلم منها بالطريق الأولى مع قربها لفظا . قوله : ( لأنّ جمعهم وامساكهم الخ ) بيان لوجه تخصيص ما ذكر بالذكر كونه مكتوبا بأن غرضهم من جمعها طلب أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهة أي رآسة بسبب الغنى من قولهم هو وجه القوم لسيدهم ، وليس المراد ما تعارفه الناس ،