وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنّ أعيانهم نجسة كالكلاب ، وقرىء نجس بالسكون وكسر النون وهو ككبد في كبد وأكثر ما جاء تابعا لرجس
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ
لنجاستهم ، وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة أو للمنع عن دخول الحرم ، وقيل المراد به النهي عن الحج والعمرة لا عن الدخول مطلقا وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع ، وفيه دليل على أنّ الكفار مخاطبون بالفروع
بَعْدَ عامِهِمْ هذا
يعني سنة براءة وهي التاسعة ، وقيل سنة حجة الوداع
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
فقرا بسبب منعهم من الحرم ، وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب والارفاق
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
من عطائه أو بتفضله بوجه آخر وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارا ووفق أهل تبالة وجرش فاسلموا وامتاروا لهم ، ثم فتح
شرح
في ماء نجسه حملا على غالب أحواله . قوله : ( عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ) فالنجاسة عنده حقيقة ذاتية لكن الذي ذهبوا إليه خلافه ، وقوله وأكثر ما جاء تابعا لرجس لأنّ هذه القراءة وهي قراءة أبي حيوة دلت على أنه أكثريّ لا أنه لا يجوز بغير اتباع كما نقل عن الفراء ، وتبعه الحريري في درّته وعلى قول الفراء هو اتباع كحسن بسن ، ثم إنّ المنقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما مال إليه الرازي وعليه فلا يحلّ الشرب من أوانيهم ومؤاكلتهم ونحوه ، لكنه قد صح عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والسلف خلافه ، واحتمال كونه قبل نزول الآية فهو منسوخ بعيد لأنّ الأصل الطهارة ، والحل ما لم يقم دليل على خلافه ، وقوله : وأكثر ما جاء تابعا كقولهم أكثر شربي السويق ملتوتا . قوله : ( لنجاستهم وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة الخ ) وكون العلة نجاستهم إن لم نقل بأنها ذاتية لا تقتضي جواز دخول من اغتسل ، ولبس ثيابا طاهرة لأنّ خصوص العلة لا يخصص الحكم كما في الاستبراء ، ووجه المبالغة أن المراد دخوله فالمنع عن قربه أبلغ ، وإذا كان للمنع عن الحرم يكون المنع من قرب نفس المسجد الحرام على ظاهره ، وبالظاهر أخذ أبو حنيفة رحمه اللّه إذ صرف المنع عن دخول الحرم للحج والعمرة بدليل قوله تعالى :وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًفإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم ، وهو ظاهر ونداء عليّ كرم اللّه وجهه بقوله :
ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعينه فلا يقال إنّ منطوق الآية يخالفه . قوله :
( وفيه دليل على أنّ الكفار الخ ) وجه الدلالة نهيهم والنهي من الأحكام وكونهم لا ينزجرون به لا يضرّ بعد معرفته معنى مخاطبتهم بها والمخالف فيه يقول النهي بحسب الظاهر لهم ، ولكنه كناية عن نهي المؤمنين عن تمكينهم من ذلك كما في نحو لا أرينك هاهنا بدليل أنّ ما قبله وما بعده خطاب للمؤمنين لا للكفار ، وسنة براءة سنة نزولها وقراءتها عليهم وسنة حجة الوداع هي العاشرة من الهجرة . قوله : ( فقرا بسبب منعهم الخ ) لأنهما لما منعوا شق ذلك عليهم لأنهم كانوا يأتون في الموسم بالميرة والمتاجر لهم والإرفاق جمع رفق وهو المنفعة ، وفي نسخة الإرزاق وهما بمعنى ، والعيلة من عال بمعنى افتقر . قوله : ( من عطائه أو بتفضله بوجه آخر الخ ) يعني الفضل