ويتفضل عليهم روي أنّ ناسا منهم جاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأسلموا وقالوا يا رسول اللّه أنت خير الناس ، وأبرّهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا وقد سبي يومئذ ستة آلاف نفس ، وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اختاروا إمّا سباياكم وإما أموالكم فقالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئا فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « إنّ هؤلاء جاؤوا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يردّه فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه » فقالوا : رضينا وسلمنا فقال : « إني لا أدري لعلّ فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم ، فليرفعوا إلينا » فرفعوا إنهم قد رضوا
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
لخبث باطنهم أو لأنه يجب أن يجتنب عنهم كما يجتنب عن الأنجاس ، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسات فهم ملابسون لها غالبا وفيه دليل على أنّ ما الغالب نجاسته نجس ،
شرح
اللّه قبوله ذلك ولا ينفك عنه أما التوفيق المذكور فقد يكون ، وقد لا يكون فهو المعلق بالمشيئة لا قبوله كما يتبادر من النظم فأشار المصنف رحمه اللّه إلى دفعه ، وقوله : ( ويتفضل عليهم ) إشارة إلى أنه ليس بطريق الوجوب كما تقول المعتزلة . قوله : ( روي أنّ ناسا منهم الخ ) « 1 » هذا الحديث في رواية للبخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بنحوه ، وقوله : ( ما كنا نعدل بالأحساب ) أي لا نسوي بها شيئا بل نختارها ونقدّمها على غيرها والحسب ما يعدّ من المفاخر وأرادوا أن اختيارهم ذلك مفخرة ومنقبة لهم ، وقوله : ( وقد سبى الخ ) جملة حالية معترضة بين أثناء كلامهم ، وسبايا جمع سبية بمعنى مسبية أي مأسورة والذراري جمع ذرية ، وقوله : ( فشأنه ) أي فليلزم شأنه وهو ما اختاره ، وقوله : ( ومن لا ) أي من لم تطب نفسه ، وقوله : ( وليكن قرضا ) أي بمنزلته ولا مانع من حمله على حقيقته ، والعرفاء جمع عريف وهو من يؤمر على فرقة من العسكر ليعرف أحوالهم كالنقيب وقوله فليرفعوا إلينا أي يعلمونا به من قولهم رفعت القصة للأمير ، وقوله فرفعوا أنهم قد رضوا أي رفعوه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأعلموه به . قوله : ( لخبث باطنهم الخ ) نجس بالفتح مصدر فيحتاج إلى تقدير مضاف أو تجوّز وإن كان صفة كما ذكره الجوهري فلا بدّ من تقدير موصوف مفرد لفظا مجموع معنى ليصح الإخبار به عن لجمع أي جنس نجس ونحوه ، وقوله لخبث باطنهم أي هو مجاز عن خبث الباطن ، وفساد العقيدة فهو استعارة لذلك أو لأنهم يجتنبون كما يجتنب النجس فلا وجه لما قيل إنّ المناسب تقديم الوجه الثالث على الثاني لاشتراكه مع الأوّل في عدم كون الكلام على التشبيه للمبالغة ، والوجوب أمّا للمبالغة في اجتنابهم أو المراد وجوبه في الجملة كما في الحرم فلا يرد ما قيل كان عليه ترك الوجوب ، وعلى كون المراد ملابستهم النجاسة كالخمر والخنزير ونحوه فهو حقيقة حينئذ أو تغليب . قوله :
( وفيه دليل على أنّ ما الغالب نجاسته نجس ) أي متنجس كالبط والدجاج المخلى إذا جعل رأسه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4318 وأبو داود 2693 والبيهقي في الدلائل 5 / 190 من حديث المسور بن مخرمة .