تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
وهذا مخل بالنظم مخالف للإجماع فإنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
الناكثين
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
من حل وحرم
شرح
أرادت ذكرها ثانيا أتت بالضمير أو باللفظ معرفا بأل ، ولا يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة ، فلو قيل رأيت رجلا فأكرمت الرجل الطويل لم ترد بالثاني الأوّل ، وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز ، كقولك فأكرمت الرجل المذكور ، ومنه هذه الآية فإنّ الأشهر قد وصفت بالحرم ، وهو صفة مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة ، ويجوز أن يراد بها غير الأشهر الحرم المتقدّمة فلا تكون أل للعهد والوجهان منقولان في التفسير اه والمصنف رحمه اللّه اختار القول الأوّل ، ويكون ذكر فيه حكم الناكثين بعد التنبيه على إتمام مدّة من لم ينكث ، فلا يرد عليه ما قيل إنها تسعة أشهر لبني كنانة وأربعة أشهر لسائر المعاهدين المذكورة في قوله تعالى :فَسِيحُواالخ ومن قال هي التي أبيح للناكثين الخ ، فقد غفل لعموم الحكم لبني كنانة . قوله : ( وهذا مخل بالنظم مخالف للإجماع الخ ) لأنه يأباه ترتبه عليه بالفاء فهو مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشهر ، ومخالفته للإجماع لأنه قام على أنّ الأشهر الحرم يحل فيها القتال ، وأنّ حرمتها نسخت ، وعلى تفسير بها يقتضي بقاء حرمتها ، ولم ينزل بعد ما ينسخها ورد بأنه لا يلزم أن ينسخ الكتاب بالكتاب بل قد ينسخ بالسنة كما تقرّر في الأصول ، وعلى تقدير لزومه كما هو مذهب الشافعيّ رضي اللّه عنه يحتمل أن يكون ناسخة من الكتاب منسوخ التلاوة ، ولا يخفى أنّ هذا الاحتمال لا يفيد ولا يسمع لأنه لو كان كذلك لنقل والنسخ لا يكفي فيه الاحتمال ، وقيل إنّ الإجماع إذا قام على أنها منسوخة كفى ذلك من غير حاجة إلى نقل سنده إلينا ، وقد صح أنه صلّى اللّه عليه وسلّم حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم ، وكما أنّ ذلك كاف في نسخها يكفي لنسخ ما وقع في الحديث الصحيح ، وهو : « إنّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب » « 1 » ، فلا يقال إنه يشكل علينا لعدم علم ما ينسخه كما توهم ، فإن قلت هل نسخ القرآن بالإجماع قلت نعم ، قال : في النهاية شرح الهداية تجوز الزيادة على الكتاب بالإجماع صرّح به الإمام السرخسيّ . وقال فخر الإسلام إنّ النسخ بالإجماع جوّزه بعض أصحابنا بطريق أنّ الإجماع يوجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت به النسخ والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور ، ويجوز النسخ بالخبر المشهور فبالإجماع أولى ، وأمّا اشتراط حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في جواز النسخ فغير مشروط على قول ذلك البعض اه وأنت تعلم أنّ فيه اختلافا عندنا فلا يصح جوابا عن كلام الشافعية كما قيل ، إلا إذا نقل عنهم القول به مع أنّ في الإجماع كلاما ولم يعتدّ بمن خالف في بقاء حرمتها هنا فلا يخالف ما سيذكره من أنّ نسخ حرمتها مذهب
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 67 و 4662 و 5550 ومسلم 1679 وأبو داود 1948 وابن ماجة 233 وابن حبان 5974 والبيهقي 5 / 140 وأحمد 5 / 37 و 45 و 49 عن أبي بكرة مرفوعا .