الَّذِينَ كَفَرُوا
شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون اللّه وتأييده وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تكن بالتاء في الآيتين ووافقهم البصريان في وإن تكن منكم مائة صابرة
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
بسبب إنهم جهلة باللّه واليوم الآخر
شرح
الزمخشري والمصنف رحمه اللّه ، وقال الراغب الحرض يقال لما أشرف على الهلاك والتحريض الحث على الشيء بكثرة التزيين ، وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض نحو قذيته أزلت عنه القذى ، وأحرضته أفسدته نحو أقذيته إذا جعلت فيه القذى ، ومنه تعلم وجه المبالغة فيه ونهكه المرض بمعنى أضعفه وأضناه ، ويشفي مضارع أشفى على كذا إذا أشرف عليه وقاربه ، وقرئ حرّص من الحرص المهمل وهو ظاهر . قوله تعالى : إلىإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَالخ في البحر انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت قيدا في الجملة الأولى ، وهو صابرون وحذف نظيره من الثانية ، وأثبت قيدا في الثانية ، وهو من الذين كفروا وحذفه من الأولى ، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في جملتي التخفيف ، وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه ، ثم ختم بقوله :وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَمبالغة في شدّة المطلوبية ، ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر اكتفاء بما قبله ( قلت ) هذا نوع من البديع يسمى الاحتباك ، وبقي عليه أنه ذكر في التخفيف بإذن اللّه وهو قيد لهما ، وقوله واللّه مع الصابرين إشارة إلى تأييدهم وأنهم منصورون حتما لأنّ من كان اللّه معه لا يغلب ، وبقي فيها لطائف فلله درّ التنزيل ما أحلى ماء فصاحته ، وأنضر رونق بلاغته . قوله : ( شرط في معنى الأمر الخ ) أي هذه الجملة الخبرية لفظا إنشائية معنى لأنّ المراد ليصبرنّ الواحد لعشرة ، ولذا وقع النسخ فيه لأنّ النسخ في الخبر فيه كلام في الأصول ، وخالف الزمخشريّ إذ جعلها خبرا ووعدا لهم ، فالظاهر أن يقول المصنف رحمه اللّه أو الوعد فإنه على الخبر كما صرّح به الشارح ، وقال الإمام : الدليل على كونه بمعنى الأمر أنه لو كان خبر الزم أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ، وليس كذلك بدليل قوله : واللّه مع الصابرين ، فإنه ترغيب على الثبات في الجهاد ، وقيل عليه إنّ التعليق الشرطي يكفي فيه ترتيب الجزاء على الشرط في بعض الزمان لا في كله ، ولولا ذلك لزم تحلف وعده بذلك لانتفاء الكلية ، وقوله :وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَلا يقتضي الإنشائية .
( وفيه بحث ) لأن تعليق الغلبة على الصبر وجعله سببا لها يقتضي وجودها كلما وجد ، والترغيب في الشيء يقتضي أنه قد يتخلف عنه ولذا رغب فيه وهذا أمر خطابي يكتفي فيه بمثله ، ثم أنّ العلامة قال في الآية إشارة إلى علة غلبة المؤمنين عشرة أمثالهم من الكفار ، وهي أمران أحدهما جهلهم بالمعاد حتى يقاتلون من غير احتساب كالبهائم بخلاف المؤمنين فإنهم يؤمنون بالمعاد فيقدمون على الجهاد على بصيرة طلبا للثواب ، ويقاتلون بعزم صحيح وقلب قويّ ، فلذا كفي القليل منهم الكثير ، والثاني جهلهم بالمبدأ فيعولون على شوكتهم وقوّتهم ، والمؤمنون يستعينون باللّه فيستوجبون نصرته فيغلبونهم لا محالة ، فأشار إلى الأوّل بقوله يقاتلون على غير احتساب ، وإلى الثاني بقوله ويعزمون باللّه اه . وقد أشار المصنف رحمه اللّه إلى