والضغينة في أدنى شيء ، والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا كنفس واحدة ، وهذا من ممعجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم وبيانه
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
أي تناهى عداوتهم إلى حدّ لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة والإصلاح
وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
بقدرته البالغة فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء
إِنَّهُ عَزِيزٌ
تامّ القدرة ، والغلبة لا يعصى عليه ما يريده
حَكِيمٌ
يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده ، وقيل الآية في الأوس والخزرج كان بينهم أحن لا أمد لها ووقائع هلكت فيها ساداتهم فأنساهم اللّه ذلك ، وألف بينهم بالإسلام حتى تصافوا وصاروا أنصارا
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ
كافيك
وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أما في محل النصب على المفعول معه كقوله :
فحسبك والضحاك سيف مهند
شرح
فقصروا فقال : الشعر يهجوهم ، ومعنى الشعر أني نظرت في أحوالكم فوجدتكم اكتفيتم من المكارم باللبس والأكل ولا همة لكم تدعوكم إلى الكرم ومعالي الأمور فإن وقع في مجلس المذاكرة في المكارم فغطوا رؤوسكم واستتروا لأنكم لستم من أهلها وليس فيكم رائحة من المكارم التي عدوها ، وحرّ بالحاء المهملة المضمومة والراء المهملة بمعنى أحسنها والحرّ من كل شيء ما يختار منه ، ويروى خز بخاء معجمة مفتوحة وزاي معجمة والخز الإبريسم ، وقيل إنه يطلق على الصوف أيضا ، والمعروف الأوّل . قوله : ( مع ما فيهم من العصبية الخ ) العصبية بمعنى التعصب والضغينة كالضغن الحقد ، وقوله حتى صاروا كنفس واحد متعلق بألف يعني أنّ العرب ناس لشدّة أنفتهم وتعصبهم ولما ركز في طباعهم من الحقد قلما تصفو قلوبهم وتخلص مودّتهم فتأليفه لهم ، وجعلهم متصافين لا كدر بينهم من آياته صلّى اللّه عليه وسلّم كما في الكشاف ، وضعف القول بأنّ المراد بهم الأوس والخزرج لما كان بينهم في الجاهلية لأنه ليس في السياق قرينة عليه . قوله : ( لو أنفق منفق الخ ) يعني أنّ الخطاب لغير معين بل لكل واقع عليه لأنه لا مبالغة في انتفائه من منفق معين ، وذات البين العداوة وقوله والإصلاح أي إصلاح ذات البين ، وقوله المالك للقلوب إشارة إلى حديث قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . قوله : ( لا يعصى عليه ما يريده ) أي لا يتخلف شيء عن إرادته ولا يقع شيء بدون إرادته وهو استعارة تبعية أو تمثيلية . قوله : ( يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده الخ ) أي يعلم ما يليق بتعلق الإرادة به فيوجده بمقتضى حكمته ، واحن بالمهملة بوزن عنب جمع أحنة ، وهي الحقد ، وقوله : ( وصاروا أنصارا ) أي طائفة واحدة متناصرين مسمين بذلك متبعين على قلب واحد في نصرة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ودينه . قوله : ( إما في محل النصب على المفعول معه الخ ) وقال الفراء إنه يقدّر نصبه على موضع الكاف أيضا واختاره ابن عطية وردّه السفاقسي بأنّ إضافته حقيقية لا لفظية فلا محل له ، اللهم إلا أن يكون من عطف التوهم ، وكونه مفعولا معه ذكره الزجاج : فقول أبي حيان رحمه اللّه إنه مخالف لكلام سيبويه رحمه اللّه فإن جعل زيدا في قولهم