مبدعهم وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال : أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها ، وجرّه على الصفة للّه فإنه بمعنى الماضي ، ولذلك قرىء فطر وقرىء بالرفع والنصب على المدح
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
يرزق ولا يرزق ، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه ، وقرىء ولا يطعم بفتح الياء وبعكس الأوّل على أنّ الضمير لغير اللّه ، والمعنى كيف أشرك بمن هو فاطر السماوات والأرض ، ما
شرح
ذلك لأنّ تعريفه لا يعهد ، وقيل إنّ المشرك لم يخص عبادته بغير اللّه حتى يكون لردّه فالرد عليه أأتخذ غير اللّه وليا ويدفعه أنّ من أشرك باللّه غيره لم يتخذ اللّه معبودا لأنه لا يجتمع عبادته تعالى مع عبادة غيره كما قيل :إذا صافي صديقك من تعادي * فقد عاداك وانفصل الكلاموقيل إنه لو فسر بالناصر لعلم أنه لا يتخذه معبودا بالطريق البرهاني وقوله : ردّ لمن دعاه إلى الشرك لأنه ذكر في سبب النزول أنهم قالوا له صلّى اللّه عليه وسلّم : إن آباءك كانوا على ديننا ، وإنما تركت ذلك للحاجة ، فارجع عن هذا لنغنيك والكلام يحتمل أنه من الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر قصدا إلى إمحاص النصح ليكون أعون على القبول كقوله تعالى :وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[ سورة يس ، الآية : 22 ] . قوله : ( وجره على الصفة الخ ) وقيل على البدلية ، ورجحه أبو حيان بأنّ الفصل فيه أسهل ، وجعله بمعنى الماضي لتكون إضافته حقيقية ، فتوصف به المعرفة ، وهو ماض سواء كان كلاما من اللّه ابتداء أو محكيا عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّ المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم فمن قال : والدليل عليه كون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مأمورا بهذا القول ، ولا ينافيه كونه من الكلام القديم كما في قراءة فطر ، ولو سلم فيجوز أن يكون من قبيل التعبير بالماضي عما سيوجد بناء على تحققه بالنظر إلى كونه قديما ، وعلى حقيقته بالنظر إلى كونه من كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم انتهى . فقد تعسف لأنّ اسم الفاعل حقيقة في الحال والاستقبال فتأويله بالماضي ، ثم تأويل الماضي بالمستقبل تكلف لا داعي إليه والنصب على المدح أو على البدلية من وليا لا الصفة لأنه معرفة وعلى قراءة فطر فهو صفة فتأمّل . قوله : ( يرزق ولا يرزق ) يعني المراد بالطعم الرزق بمعناه اللغوي وهو كل ما ينتفع به بدليل وقوعه مقابلا له في قوله تعالى :ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ[ سورة الذاريات ، الآية : 57 ] فعبر بالخاص عن العام مجازا لأنه أعظمه وأكثره لشدة الحاجة إليه واكتفى بذكره عن ذكره لأنه يعلم من نفي ذلك نفي ما سواه فهو حقيقة ، وكلام المصنف رحمه اللّه يحتملهما يعني أنه خص هذا بالذكر ، أو خص بالتعبير به عن جميع المنافع دون اللباس ، وغيره لشدّة الحاجة كما خص الربا بالأكل والمقصود مطلق الانتفاع . قوله : ( وقرئ ولا يطعم بفتح الياء ) أي وبفتح العين ، وهي عن أبي عمرو وجماعة بمعنى يأكل والضمير للّه ، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الياء وكسر العين . وقوله :
( والمعنى ) يعني معنى القراءة بالعكس ، وهي قراءة يعقوب رحمه اللّه ، فإن قيل الكلام مع عبدة الأصنام والصنم لا يطعم كما أنه لا يطعم أجيب بأنه ورد على زعمهم في إطعام الأصنام