بمحذوف دلّ عليه واعلموا أي إن كنتم آمنتم باللّه فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرّد لأنه مقصود بالعرض ، والمقصود بالذات هو العمل
وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا
محمد من الآيات والملائكة والنصر ، وقرىء عبدنا بضمتين أي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين
يَوْمَ الْفُرْقانِ
يوم بدر فإنه فرق فيه بين الحق والباطل
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
المسلمون والكفار
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فيقدر على نصر القليل على الكثير والإمداد بالملائكة
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا
بدل من يوم الفرقان والعدوة بالحركات الثلاث شط الوادي ، وقد قرىء بها والمشهور الضم والكسر ، وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب
وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى
البعدى من المدينة تأنيث الأقصى ، وكان قياسه قلب الواو كالدنيا
شرح
بفتح القاف وتثليث النون شعب من اليهود كانوا بالمدينة ، وقوله على رأس الخ المراد بالرأس هنا الطرف والآخر كما في حديث بعثه اللّه على رأس أربعين سنة فهو مجاز من استعمال المقيد في المطلق . قوله : ( متعلق بمحذوف الخ ) أي جزاؤه ومحذوف ، والمراد التعلق المعنوي وليس جوابه ما قبله لأنه لا يصح تقدّم الجزاء على الشرط على الصحيح عند أهل العربية ، وإنما قدّر فاعلموا ، ثم بين أن المراد بالعلم العمل لأن المطرد في أمثاله أن يقدّر ما يدل ما قبله عليه فيقدّر من جنسه ، فلا يقال إنه كان المناسب أن يقدّر العمل أوّلا قصرا للمسافة كما فعله النسفيّ رحمه اللّه . قوله : ( من الآيات والملائكة والنصر ) يعني أنّ المفعول محذوف ، ولا قرينة تعينه فيعمّ كل ما نزل ، والموصول من صنيع العموم وليس فيه جمع بين الحقيقة والمجاز ولا شبهة كما قيل إذ المراد بالمنزل ما جاءه من اللّه سواء كان جسما أو غيره ، ولو سلم فالمجاز والحقيقة في الإسناد لا مانع من الجمع بينهما فتدبر ، وعبد بضمتين جمع عبد ، وقيل اسم جمع له .
قوله : ( يوم بدر الخ ) فالفرقان بمعناه اللغوي والإضافة فيه للعهد ، ويوم التقى الجمعان بدل منه أو متعلق بالفرقان وقوله فيقدر الخ إشارة إلى دخول ما ذكر فيه بقرينة المقام ، وتعريف الجمعان للعهد ، وإذ بدل أيضا أو معمول لا ذكر مقدّرا . قوله : ( والعدوة بالحركات الثلاث الخ ) أي في العين ، وأصل معنى العدو والتجاوز فالمراد به هنا الجانب المتجاوز عن القرب وهو معنى قول المصنف رحمه اللّه تعالى شط الوادي أي جانبه البعيد من شط بمعنى بعد ، وقراءة الفتح شاذة قرأ بها الحسن ، وزيد بن عليّ وغيرهما وهي كلها لغات بمعنى ولا عبرة بانكار بعضها . قوله :
( البعدى من المدينة الخ ) فهو تأنيث أقصى بمعنى أبعد وفعلى من ذوات الواو إذا كان اسما تبدل لأمه ياء نحو دنيا ، وقصوى بحسب الأصل صفة فلذا لم تبدل للفرق بين الاسم والصفة وهي قاعدة مقرّرة عند بعض التصريفين فإن اعتبر غلبتها ، وأنها جرت مجرى الأسماء الجامدة قيل قصيا وهي لغة تميم ، والأولى لغة أهل الحجاز ، ومن أهل التصريف من قال : إنّ اللغة العالية العكس فإن كانت صفة أبدلت نحو العليا ، وإن كانت اسما أقرّت نحو حزوى فعلى هذا