الْحَرامِ
وحالهم ذلك ومن صدّهم عنه الجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين إلى الهجرة وإحصارهم عام الحديبية
وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ
مستحقين ولاية أمره مع شركهم وهو ردّ لما كانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء
إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره ، وقيل الضمير إن اللّه
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أن لا ولاية لهم عليه كأنه نبه بالأكثر أن منهم من يعلم ويعاند أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ
أي دعاؤهم ، أو ما يسمونه صلاة أو ما يضعون موضعها
إِلَّا مُكاءً
صفير إفعال من مكا يمكو إذا صفر ، وقرىء بالقصر كالبكا
وَتَصْدِيَةً
تصفيقا تفعلة من الصدى أو من الصدّ على إبدال أحد حرفي التضعيف
شرح
يَسْتَغْفِرُونَ[ سورة الأنفال ، الآية : 33 ] أي وفيهم أحد من المسلمين فخرج المستغفرون من مكة فنزل وما لهم ألا يعذبهم اللّه الخ ، وأذن له في فتح مكة وينافيه ما تقدّم في أوّل السورة . قوله :
( وحالهم ذلك الخ ) إشارة إلى أنّ الجملة حالية وأورد على قوله وإحصارهم عام الحديبية ، إنّ إحصارهم كان بعد قتل النضر ونظرائه فلا ينتظم مع ما سيق له الكلام ، وأجيب عنه بأنّ القائل إن كان هذا هو الحق الخ وإن كان النضر ، ومن تبعه لكن الحكم بالتعذيب بعد مفارقة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعمّ الكل بسبب صدّ سيكون منهم ، ولو صدر من غير النضر وإضرابه بعد هلاكهم فتأمل .
قوله : ( مستحقين ولاية أمره مع شركهم الخ ) فالضمير إن للمسجد الحرام ، ولما كانوا متولين له وقت نزولها بين أنه نفى لاستحقاق ذلك فإن كان الضمير للّه لا يحتاج إلى تأويل ، وقوله المتقون من الشرك إشارة إلى شموله لجميع المسلمين وأنّ التقوى هنا اتقاء الكفر وهي المرتبة الأولى للتقوى كما مرّ وعلى جعل الضمير للّه فالمتقون أخص من المسلمين ، وجعله الزمخشريّ على الأوّل مخصوصا أيضا لأنهم المستحقون في الحقيقة . قوله : ( كأنه نبه بالأكثر الخ ) لأنّ منهم من يعلمه ولكن يجحده عنادا أو المراد به الكل لأنّ للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام كما أنّ الأقل لا يعتبر فينزل منزلة العدم . قوله : ( أي دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة الخ ) قال الراغب في تفسير الآية وما كان صلاتهم الخ تنبيه على إبطال صلاتهم وأنّ فعلهم ذلك لا اعتداد به بل هم في ذلك كطيور تمكو وتصدى فالمراد بالصلاة إن كان حقيقتها ، وهو الدعاء أو الفعل المعروف فحمل المكاء والتصدية بتأويله بأنه لا فائدة فيه ولا معنى له كصفير الطيور وتصفيق اللعب ، أو المراد أنهم وضعوا المكاء موضع الصلاة على حدّ :تحية بينهم ضرب وجيعومن لم يفهم كلامه قال : ذكر ثلاثة وجوه ليصح حمل المكاء والتصدية ، ولا يخفى أنّ أوّل الوجوه لا يصلح أن يكون وجها إلا أن يصار إلى أحد الأخيرين فلا تبقى حاجة إليه ، وثانيها يحتاج إلى وقوع هذه التسمية منهم ، وسيجيء أنهم يرون أنهم يصلون فتأمل . قوله :
( فعال من مكا يمكو إذا صفر ) وأسماء الأصوات تجيء على فعال إلا ما شذ كالنداء ، والبكاء ممدودا ومقصورا بمعنى وقد فرق المبرد بينهما فقال الممدود اسم الصوت والمقصور الدموع .