وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك وكيف لا يعذبون
وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ
شرح
إلى ما دخله النفي وعلى الثاني فله معنيان .
أحدهما : وهو الأكثر أن يكون النفي راجعا إلى القيد فقط ويثبت أصل الفعل .
وثانيهما : أن يقصد نفي الفعل ، والقيد معا بمعنى انتفاء كل من الأمرين ، والمعنى انتفاء الفعل من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته .
والحاصل أنّ القيد في الكلام المنفيّ قد يكون لتقييد النفي ، وقد يكون لنفي المقيد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد فقط ، أو الفعل فقط كما قرّره النحرير في سورة آل عمران ، وقد مرّ تفصيله وتحقيقه في سورة البقرة ، وأما قول الشارح النحرير هنا أنّ الدالّ على انتفاء الاستغفار هنا على الوجه الأخير القرينة والمقام لأنفس الكلام وإلا لكان معنى ، وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم نفي كونه فيهم ، فإن قيل الحال قيد والنفي في الكلام راجع إلى القيد قلنا وأنت فيهم حال أيضا فإن قيل الاستغفار من الكفر ينافي التعذيب ، وقد ثبت أنهم يعذبون بمفارقة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبقوله :وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُاللّه فينتفي الاستغفار قلنا وكذلك كونه فيهم ينافي بحكم العادة وقضية الحكمة تعذيبهم وقد بين أنهم يعذبون ، فإن قيل كونه فيهم ليس مما يستمرّ بل يزول البتة فيحدث التعذيب قلنا الاستغفار عن الكفر يحتمل ذلك غايته ، إنه احتمال بعيد ويمكن أن يقال هم يستغفرون للاستمرار فينتفي بالتعذيب ، ولو بعد حين بخلاف أنت فيهم فإنه لمجرّد الثبوت ، وهو متحقق ما لم يفارقهم ، ولم يصبهم العذاب ، وهذا إنما يتم إذا جعل وأهلها مصلحون للاستمرار والدوام دون الثبوت ، اه فلا يخفى ما فيه من التطويل ، وما بين كلاميه من التنافي ولبعض الناس هنا خبط تركه أولى من ذكره ، وعلى الوجه الأوّل المستغفرون هم المسلمون ، والاستغفار طلب المغفرة والتوفيق للثبات على الإيمان ، والضمير للجميع لوقوعه فيما بينهم ، ولجعل ما صدر عن البعض بمنزلة الصادر عن الكل فلا يلزم تفكيك الضمائر كما قيل . قوله : ( مما يمنع تعذيبهم الخ ) هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب وفي الكشاف ، وما لهم ألا يعذبهم اللّه وأيّ شيء لهم في انتفاء العذاب يعني لاحظ لهم في ذلك ، وهم معذبون لا محالة ، وكيف لا يعذبون الخ ولما كان العدم لا يحتاج إلى علة موجبة بل يكفي فيه عدم علة الوجود كما حققوه أشار إلى أنّ المراد طلب ما يمنع التعذيب ولما لم يكف في وجود شيء عدم المانع بل لا بدّ من الموجب ، أشار إلى وجوده بقوله وهم يصدّون وما استفهامية ، وقيل إنها نافية أي ليس ينتفي عنهم العذاب مع تلبسهم بهذه الحالة . قوله : ( متى زال ذلك ) أي الاستغفار ، وكونه فيهم لدفع المنافاة بين الاثنين وقد دفع أيضا بأنّ العذاب السابق عذاب الاستئصال لعلم اللّه بأنّ فيهم من يسلم ، ومن ذرّيتهم من يهتدي والثاني قتل بعضهم ، وعن الحسن أنّ هذه نسخت ما قبلها ، وقال النسفيّ أنّ نزولوَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْوهو صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، ثم خرج من بين أظهرهم فاستغفر من بها من المسلمين فنزلوَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ