بحيث يرى لكثرتهم كأنهم يزحفون ، وهو مصدر زحف الصبيّ إذا دبّ على مقعده قليلا قليلا سمي به وجمع على زحوف وانتصابه على الحال
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
بالانهزام فضلا عن أن يكونوا مثلكم أو أقلّ منكم ، والإظهر أنها محكمة مخصوصة بقوله :
حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
[ سورة الأنفال ، الآية : 65 ] الآية ويجوز أن ينتصب زحفا على الحال من الفاعل والمفعول أي إذا لقيتموهم متزاحفين يدبون إليكم وتدبون إليهم فلا تنهزموا أو من الفاعل وحده ويكون إشعارا لما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم اثنا عشر ألفا
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ
يريد الكرّ بعد الفرّ وتغرير العدوّ فإنه من مكايد الحرب
أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
أو منحازا إلى فئة أخرى من المسلمين على القرب ليستعين بهم ، ومنهم من لم يعتبر القرب لما روى ابن عمر رضي اللّه عنه أنه كان في سرية بعثهم
شرح
كلامه عليه لكن في جواز نصب المصدر المؤوّل على أنه مفعول معه نظر ، والظاهر هو للكافرين وضع موضع لكم ، وقوله للدلالة الخ لأنه يقتضي علية مأخذ الاشتقاق كما مرّ تحقيقه ، وقوله : أو الجمع إشارة إلى كونه مفعولا معه وله إعراب آخر وهو نصبه باعلموا أو جعله خبر مبتدأ محذوف ، وعلى قراءة الكسرة فالجملة تذييل واللام للجنس والواو للاستئناف .
قوله : ( كثيرا بحيث يرى لكثرتهم الخ ) يعني أنّ الزحف مصدر زحف على عجزه ، ثم أطلق على الكثير لأنه يشبه بالزاحف لما ذكر ، وقال الراغب : الزحف انبعاث مع جرّ الرجل كإنبعاث الصبي قبل أن يمشي ، والبعير المعي والعسكر إذا كثر تعسر انبعاثه ، وجمع على زحوف لأنه خرج عن المصدرية وهو حال إما من الفاعل أو المفعول أو منهما ، وقيل إنه مصدر لفعل وقع حالا . قوله : ( بالانهزام فضلا الخ ) هذا بناء على المتبادر من أنّ زحفا حال من المفعول وأنه بمعنى كثير ، وكثرتهم بالنسبة إليهم فإذا نهوا عن الإنهزام ممن هو أكثر منهم ففي غيره بطريق الأولى ، وقيد بالإنهزام وإن شمل غيره لأنه المتبادر منه عند الإطلاق ، ولقوله : ( فقد باء بغضب ) الخ . قوله : ( والأظهر أنها محكمة ) أي ليست منسوخة بآية التخفيف كما سيأتي ، وقيل إنها منسوخة بها ، وهذا بناء على أنّ التخصيص بمنفصل ليس بنسخ عند الشافعية فلا يرد عليه ، أنّ المحكم ما ليس بمنسوخ ولا مخصص ، وقوله ويجوز الخ فيكونون موصوفين بالكثرة فلا يحتاج إلى تخصيص ، ولما ورد عليهم أنهم لم يكونوا ببدر كذلك قال : إنه عبارة عما وقع لهم يوم حنين ، والرمي المذكور إنما كان فيه على ما عليه المحدثون وسيأتي ما فيه وعدل عن لفظ الظهور إلى الإدبار تقبيحا للانهزام وتنفيرا عنه .
قوله : ( يريد الكرّ بعد الفرّ الخ ) الكرّ من كرّ على العدوّ إذا حمل عليه والفرّ الرجوع ، قال :
امرؤ القيس :مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاقوله : ( فإنه من مكايد الحرب ) لأنه يغرّه بصورة انهزامه ، وقوله : منحاز أي منضما وملحقا بهم وكونه على القرب يفهم منه بناء على المتعارف ، وقيل إنه لا يختص به بناء على