تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
يهاب النوم أن يغشى عيونا * تهابك فهو نفار شرود
وقرىء أمنة كرحمة وهي لغة
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
من الحدث ، والجنابة
وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ
يعني الجنابة لأنها من تخييله أو وسوسته ، وتخويفه إياهم من العطش ، روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء ، وناموا فاحتلم أكثرهم وقد غلب المشركون على الماء فوسوس إليهم الشيطان ، وقال كيف
شرح
تمثيلا وتخييلا للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس ، فإن قلت : كيف يكون إسنادا مجازيا كما في الكشاف ، وشروحه وإسناد يغشاكم إلى النعاس لا شبهة في كونه حقيقة على كل حال والأمن لم يذكر له فاعل حتى يكون الإسناد فيه مجازيا والمصدر لا يضمر فيه فهل مراده بالإسناد النسبة التي بين الفعل والمفعول له ، قلت المراد الإسناد المقدّر في الأمن لأنه لما جعل صفة للنعاس فكأنه قيل أمن النعاس فغشيهم ، ومنه تعلم أنّ الإسناد المجازي قد يكون مذكورا ، وقد يكون مقدّرا وهو شبيه بالاستعارة المكنية ، فتنبه له ، ثم إن الوجه الأوّل هو الذي ذكروه في قوله تعالى :يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً[ سورة الرعد ، الآية : 12 ] لأنه تعالى إذا أراهم البرق رأوه فكانوا فاعلين معنى وسيأتي تحقيقه إلا أنه قيل إنّ فاعل تغشية النعاس ، هو اللّه تعالى ، وهو فاعل الأمنة أيضا لأنه خالقها ، وحينئذ يتحد فاعل الفعل والعلة ويندفع السؤال على قواعد أهل السنة ، ولا يخفى أنّ المعتبر الفاعل اللغوي ، وهو المتصل بالفعل ، وهو تعالى غير متصف بالأمن ولا يقال له آمن والعبد هو الفاعل لغة وإن كان تعالى هو الفاعل حقيقة ، وحينئذ يفتقر السؤال إلى دفعه بما مرّ ، فإن قلت لم اقتصر على أنه مفعول له هنا وجعله في آل عمران تارة حالا وأخرى مفعولا به ومفعولا له ، قلت قالوا إنّ ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن ، ولذلك قدّمه وبسط الكلام في الأمن وإزالة الخوف ، ألا ترى إلى سياق الآية وهو قوله :فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا[ سورة آل عمران ، الآية : 153 ] وسباقها وهو قوله يغشى طائفة الخ حيث جعله صفة لنعاسا وختم الكلام بقوله لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم كيف جعل الكلام كله في الأمن والخوف بخلافه هنا لأنه مقام تعداد النعم فجيء بالقصة مختصرة بالرمز . قوله : ( يهاب النوم أن يغشى عيونا تهابك فهو نفار شرود ) هذا من قصيدة للزمخشريّ في ديوانه وتهاب بمعنى تخاف ، ونفار صيغة مبالغة كنفور من النفور والشرود وهما بمعنى ، وقراءة أمنة بالسكون لغة فيه . قوله : ( من الحديث والجنابة الخ ) على هذا يصير تفسير الرجز بالجنابة مكرّرا فالتفسير هو الثاني كما قيل وقد أشار المصنف رحمه اللّه إلى دفع التكرار بأنّ الجملة الثانية تعليل للأولى والمعنى طهركم منها لأنها من رجز الشيطان ، وتخييله والكثيب ما اجتمع من الرمل ، وإلا عفر بعين مهملة وفاء وراء مهملة رمل أبيض يخالطه حمرة ، وتسوخ