بإضمار اذكر ، وقرأ نافع يغشيكم بالتخفيف من أغشيته الشيء إذا غشيته إياه ، والفاعل على القراءتين هو اللّه تعالى وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يغشاكم النعاس بالرفع
أَمَنَةً مِنْهُ
أمنا من اللّه تعالى ، وهو مفعول له باعتبار المعنى فإنّ قوله يغشيكم النعاس متضمن معنى تنعسون ويغشاكم بمعناه والأمنة فعل لفاعله ويجوز أن يراد بها الإيمان فتكون فعل المغشي ، وأن تجعل على القراءة الأخيرة فعل النعاس على المجاز لأنها لأصحابه أو لأنه كان من حقه أن لا يغشاهم لشدّة الخوف فلما غشيهم فكأنه حصلت له أمنة من اللّه لولاها لم يغشهم كقوله :
شرح
بالنصر ، بأنّ فيه إعمال المصدر المعرف بأل وفيه خلاف للكوفيين ، والفصل بين المصدر ومعموله ، وعمل ما قبل إلا فيما بعدها ، وتعلقه بما في الظرف من معنى الفعل لتقدير ثابت ، ونحوه قيل عليه إنه يلزم تقييد استقرار النصر من اللّه بهذا الوقت ولا تقيد له به ، وردّ بأنّ المراد به نصر خاص فلا محذور في تقييده فتأمّل ، وفي تعلقه بجعل فصل بينهما ، وفيه وجوه أخر ووجه القراءات ظاهر . قوله : ( أمنا من اللّه ) يعني الأمنة هنا مصدر بمعنى الأمن كالمنعة ، وإن كان قد يكون وصفة بمعنى أمين كما ذكره الراغب وفي نصبه وجوه ، منها ما ذكره المصنف رحمه اللّه ، وهو أنه مفعول له ولما كان من شرطه أن يتحد فاعله وفاعل الفعل العامل فيه ، وفاعله هم الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم الآمنون ، وفاعل يغشى على هذه القراءة اللّه ، وعلى الأخرى النعاس ، أجاب ( بأن يغشيكم النعاس ) يلزمه معنى تنعسون ، فجعل كناية عنه ، وهذا مفعول له باعتبار المعنى الكنائي ، فقوله متضمن بمعنى مستتبع ومستلزم له حتى كأنه في ضمنه ويغشاكم النعاس مؤوّل بتنعسون لأنه بمعناه ، وقوله : ( والأمنة ) فعل لفاعله أي لفاعل تنعسون الذي دل عليه الكلام . قوله : ( ويجوز أن يراد بها الإيمان ) أي يراد الإيمان بمعناه اللغوي ، وهو جعل الغير آمنا بمعنى الأمان فيكون مصدر آمنه ، وهو بعيد في اللغة كما قاله النحرير ، بناء على أنه مصدر المزيد بحذف الزوائد ولك أن تقول ليس مراده هذا بل منه لما كان صفة آمنة ومآل معنى الأمنة الكائنة من اللّه التأمين فباعتباره جعل مفعولا له ، واتحدا فاعلا ، والحاصل أنه إمّا أن يؤوّل الفعل أو المصدر فتدبر ، ومع هذا فعلى قراءة يغشيكم ظاهر لأنّ فاعل التغشية ، والأمان هو اللّه وأما على الأخرى وهي يغشاكم فلا يتأتى هذا بل يؤوّل بما مرّ ، ويجوز في هذه القراءة وجه آخر وهو أن يجعل إلا من صفة النعاس لا صفة أصحابه وهو أنّ النوم كأنه كان يخاف أن يأتيهم لئلا يمسه ما مسهم ، أو أنه التمس منهم الأمنة فلما أمن أتاهم كما في البيت المذكور ، وهو معنى لطيف ، وإن قيل : إنه تخيل يليق بالشعر لا بالقرآن ، ثم إنّ وجهه كما قيل إنه استعارة بالكناية شبه النعاس بشخص من شأنه أن يأتيهم في وقت الأمن دون الخوف وقرينته إثبات الأمن له ، وقيل : إنه جعل الأمنة فعل النعاس على الإسناد المجازي لكونه من ملابسات أصحاب الأمن أو على تشبيه حاله مجال إنسان شأنه الأمن والخوف ، وإن حصل له من اللّه تعالى الأمنة من الكفار في مثل ذلك الوقت المخوف فلذلك غشيكم وأنامكم ، فيكون الكلام