تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
إلى من يواجهه
خُذِ الْعَفْوَ
أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس ، وتسهل ولا تطلب ما يشق عليهم من العفو الذي هو ضد الجهد أو خذ العفو عن المذنبين أو الفضل ، وما يسهل من صدقاتهم وذلك قبل وجوب الزكاة
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
المعروف المستحسن من الأفعال
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
فلا تمارهم ولا تكافئهم بمثل أفعالهم وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق آمرة للرسول باستجماعها
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ
ينخسنك منه نخس أي وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب ، وفكر والنزغ والنسغ والنخس
شرح
الإمام رحمه اللّه : إن حملنا هذه الصفات على الأصنام فالمراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجوهها أوجه القوم ، وإن حملناها على المشركين فالمعنى أنهم وإن كانوا ينظرون إليك فإنهم لا ينتفعون بالنظر والرؤية فصاروا كأنهم عمي ، وقيل يشبهون من باب الأفعال أي يشابهونهم ففيه إشارة إلى أنه استعارة تصريحية تبعية بأن يشبه مالهم من الهيئة بالنظر فتطلق عليه أو مكنية ، ولا يجب أن تكون قرينة المكنية التخييلية ، وفيه بحث وخطاب تراهم للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل واقف عليه والرؤية بصرية أو علمية . قوله : ( خذ ما عفا لك الخ ) أي العفو صدر عفا بمعنى سهل ، وتيسر وأريد به ما يتيسر وخذ بمعنى أقبل وأرض مجازا أي أرض منهم ما تيسر من أعمالهم ، ولا تدقق وتشدّد والجهد بمعنى المشقة أو المراد بالعفو ظاهره أي اعف عمن أذنب ، وفيه استعارة مكنية إذ شبه العفو بأمر محسوس يطلب فيؤخذ . قوله : ( أو الفضل وما يسهل الخ ) أي المراد أن يأخذ من صدقاتهم ما عفا أي سهل عليهم وهو الفضل أي الزائد عن نفقتهم ولوازمهم والمتبادر من الأخذ أخذ المال ونحوه ، والإمام ليس مأمورا بأخذ الصدقات ليصرفها في مصارفها بل بأخذ الزكاة فدل ذلك بالقرينة العقلية على أنه كان ذلك بمنزلة الزكاة فيكون قبل وجوبها فلا يقال إنه تقييد من غير دليل بعينه ، وقال الجوهريّ : العفو ما فضل عن النفقة من المال . قوله : ( فلا تمارهم ولا تكافئهم الخ ) المماراة المجادلة والمكافأة أن تفعل به كما فعل بك أو تنتقم منه ، وكون الآية جامعة لمكارم الأخلاق ظاهر ، وقد فسر هذا في الحديث القدسي لما سأل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عنها جبريل عليه الصلاة والسّلام فسأل رب العزة ثم رجع فقال يا محمد آنّ ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ، وعن جعفر الصادق أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ، وفي الحديث « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » وكان خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن :وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ سورة القلم ، الآية : 4 ] فقيل إن زبدة الحديث مفسرة لزبدة الآية فإنّ زبدتها تحرّي حسن المعاشرة مع الناس ، وتوخي بذل المجهود في الإحسان إليهم والمداراة معهم والإغضاء عن مساويهم لكن القرآن مادّته عامّة ، والحديث القدسي مادّته خاصة ، وقد علم كل أناس مشربهم فافهم . قوله : ( ينخسنك منه نخس ) إشارة إلى أنّ الإسناد مجازي لجعل المصدر فاعلا كجد جدّه وقيل النزغ بمعنى النازغ فالتجوّز في الطرف والأوّل أبلغ وأولى ، وفيه مجاز آخر سيجيء ، وقوله تحملك على خلاف ما أمرت بيان لارتباط الآية بما قبلها ، وجعل النزغ والنسغ بالسين المهملة ، والغين