فيظنوا أنها لطف من اللّه تعالى بهم فيزدادوا بطرا وإنهما كافي الغيّ حتى يحق عليهم كلمة العذاب
وَأُمْلِي لَهُمْ
وأمهلهم عطف على سنستدرجهم
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
إنّ أخذي شديد وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ
يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم
مِنْ جِنَّةٍ
من جنون روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا يحذرهم بأس اللّه تعالى فقال قائلهم إنّ صاحبكم لمجنون بات يهوّث إلى الصباح فنزلت
شرح
سندنيهم قال النحرير الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل إلى علو فيكون استصعادا ، أو بالعكس فيكون استنزالا وقد استعمله الأعشى في قوله :ليستدرجنك القول حتى تهزهفي مطلق معناه ، وليس من استعمال المشترك في معنييه أي نقر بهم إلى الهلاك بإمهالهم وإدرار النعم عليهم حتى يأتيهم وهم غافلون لاشتغالهم بالترفه ، ولذا قيل إذا رأيت اللّه أنعم على عبده وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج . قوله : ( حتى يحق عليهم كلمة العذاب ) أي يجب عليهم كلمة العذاب وهي أمره به كقوله تعالى :خُذُوهُ فَغُلُّوهُ[ سورة الحاقة ، الآية :
30 ] وهذا إن أريد بالعذاب عذاب الآخرة وقيل هو نكال الدنيا كالقتل . قوله : ( عطف على سنستدرجهم الخ ) وفي نسخة على نستدرجهم فهو داخل في حكم الاستقبال وحكم السين ، وليس المراد بعطفه عليه إلا ذلك إذ لا يعطف على جزء كلمة حقيقة أو حكما ، وقيل إنه مستأنف أي وأنا أملي لهم وفيه حينئذ خروج من ضمير المتكلم مع الغير المعظم نفسه إلى ضمير المتكلم المفرد ، وهو شبيه بالالتفات كما قاله المعرب والظاهر أنه من التلوين . قوله :
( إنّ أخذي شديد ) لأنّ المتانة الشدّة والقوّة ومنه المتن للظهر ، وقوله : ( سماه كيدا ) قد قيل عليه إنه لا يخفى أنّ الأخذ وهو العذاب ليس بإحسان بل الذي ظاهره إحسان هو استدراجهم وإمهالهم ليس إلا ، فالظاهر أن يقول سماه كيدا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون ، ويمكن أن يقال الكيد ليس هو الأخذ بل الأنعام عليهم وإمهالهم مع عصيانهم حتى يستحقوا العذاب ، وأخذهم أشدّ أخذ فمقدّمته إحسان ، وعاقبته إهلاك بعد خذلان فإضافة أخذي للعهد أي هذا الأخذ لمن هو غافل منهمك في لذته كذلك فتدبر . قوله : ( روي الخ ) « 1 » هذا الحديث أخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة بلفظ يصوّت ويموّت بمعناه ، وكذا يهيت أيضا وأصله حكاية صوت ، وهو أن يقول ياه ياه وهو نداء الداعي من بعد ، وقوله : ( فخذا فخذا ) أي قوما بعد قوم يا بني فلان يا بني فلان كما ورد التصريح به فيه ، وهو بعد نزوله قوله :وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[ سورة الشعراء ، الآية : 214 ] والفخذ من العشائر وأوّلها الشعب ، ثم القبيلة ، ثم الفصيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ ، وقوله : ( جنون ) إشارة إلى أنّ الجنة مصدر كالجلسة بمعنى
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره 15472 عن قتادة مرسلا . وأصله عند البخاري 4971 ومسلم 208 من حديث ابن عباس .