وألهمهم ذلك لحديث عمر رضي اللّه تعالى عنه وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب المصابيح والمقصود من إيراد هذا الكلام ههنا إلزام اليهود مقتضى الميثاق العامّ بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم ، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ، ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال :
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
أي عن التقليد واتباع الباطل
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
أي على اليهود
نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
هو أحد علماء بني إسرائيل ، أو أمية بن أبي الصلت كان قد قرأ الكتب ، وعلم أنّ
شرح
وذرّته أمّ الخليقة وتربة الشخص مدفنه ، وكان يقتضي ذلك أن يكون مدفنه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة حيث كانت تربته منها ، ولكن قيل الماء لما تموّج رمي الزبد إلى النواحي فوقعت جوهرة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما يحاذي تربته بالمدينة ، والإشارة إلى ما ذكرناه من ذرّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو ما قال تعالى :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ[ سورة الأعراف ، الآية : 172 ] الآية وورد في الحديث : « إنّ اللّه تعالى مسح ظهر آدم وأخرج ذرّيته منه كهيئة ذرّ واستخرج الذرّ من مسام الشعر فخرج الذر كخروج العرق » « 1 » وقيل كان المسح من بعض الملائكة عليهم الصلاة والسّلام فأضاف الفعل إلى المسبب ، وقيل معنى القول بأنه مسح إنه أحصى كما تحصى الأرض المساحة وكان ببطن نعمان وإذ بجنب عرفة بين مكة والطائف فلما خاطب الذر وأجابوا ببلى كتب العهد في رق أبيض ، وأشهد عليه الملائكة عليهم الصلاة والسّلام ، وألقم الحجر الأسود فكانت ذرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هي المجيبة من الأرض اه . قوله : ( وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب المصابيح ) قال فيه وظاهر الحديث لا يساعد ظاهر الآية فإنه تعالى لو أراد أن يذكر أنّ استخراج الذرّية من صلب آدم دفعة واحدة لا على توليد بعضهم من بعض على مرّ الزمان لقال وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذرّيته ، والتوفيق بينهما أن يقال المراد من بني آدم في الآية آدم صلّى اللّه عليه وسلّم وأولاده فكأنه صار اسما للنوع كالإنسان والبشر ، والمراد من الإخراج توليد بعضهم من بعض على مرّ الزمان ، واقتصر في الحديث على ذكر آدم صلّى اللّه عليه وسلّم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر الفرع اه ، وقد علم ما فيه مما مرّ . قوله : ( والمقصود من إيراد هذا الكلام الخ ) يشير إلى الردّ على الزمخشريّ إذ خصه ببني إسرائيل فإن حمله على العموم أكثر فائدة ، ويكفي دخولهم في العموم دخولا أوّليا ومبناه على التمثيل الذي اختاره تبعا للزمخشريّ ، وجزم به في شرح المصابيح وقوله :وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَمعطوف على مقدّر أي ليظهر الحق ، ولعلهم الخ وقيل الواو زائدة . قوله : ( هو أحد علماء بني إسرائيل الخ ) وهو بلعام بن باعوراء أيضا فإنه من بني إسرائيل في رواية ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وفي رواية غيره إنه من الكنعانيين . قوله : ( أو أمية الخ ) هو عبد اللّه بن أبي
هامش
- في الكبير 20 / 353 من حديث ميسرة الفجر ، صححه الحاكم ، ووافقة الذهبي .
( 1 ) غريب بهذا التمام . وصدره ورد من حديث ابن عباس وأخرجه أحمد 1 / 272 ، وقال الهيثمي في « المجمع » 11793 : رجاله رجال الصحيح . وانظر « المجمع » 7 / 186 فما بعد .