تَتَّقُونَ
قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن ، ومن ظهورهم بدل من بني آدم بدل البعض وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب ذرّياتهم
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
أي ، ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم ألست بربكم قالوا بلى فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل ، ويدلّ عليه قوله :
قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا
شرح
كناية عن العمل به أو مجاز وهو ظاهر قوله كالمنسيّ وليس إشارة إلى أنه يجوز حمله على حقيقته كما قيل ، وقوله قبائح الأعمال إشارة إلى مفعوله المقدّر . قوله : ( أي أخرج الخ ) أي أنّ الكلام محمول على ما يتبادر منه وأخذ استعارة بمعنى أخرج وأوجد لأنّ الأخذ لشيء يخرجه من مقرّه ، وقوله بدل البعض هو أحسن من جعله بدل اشتمال ورجحه السفاقسيّ ، وفيه نظر .
قوله : ( ونصب لهم دلائل ربوبيته الخ ) يعني أنه استعارة تمثيلية شبه فيها مركب بمركب ، وعدل عن قول الزمخشريّ إنه من باب التمثيل والتخييل لأنه ربما يتوهم منه أنّ فيه استعارة تخييلية ، وليس كذلك لا لما قيل إنّ إطلاق التمثيل على كلامه تعالى جائز ، وأما إطلاق التخييل فغير جائز لأنّ كلام اللّه وارد على أساليب كلام العرب فلا منع في إجرائه مجرى كلامهم حتى يطلق عليه مثله كالإلتفات ونحوه مما منعه بعض الظاهرية والمراد بالتخييل الإيقاع في الخيال وتصوير المعقول بصورة المحسوس لأنّ ألف العامّة بالمحسوس أتم وأكمل ، وإدراكهم له أعمّ وأشمل وقد تبع في كونه تمثيلا الزمخشريّ وغيره ، واعلم أنّ ما ذكره الزمخشري هنا معناه أنه شبه من أودع اللّه فيه عقلا يدرك به ما نصب لهم من دلائل هديهم للإيمان به بذوات ذراريهم التي أشهدها على أنفسها فأقرّت إلا أنّ المعتزلة يشترطون في الإدراك البنية ، كما نقله ابن المنير في تفسيره فالمشبه أمر محقق والمشبه به أمر مفروض متخيل لا حقيقة له في الخارج فهو من قبيل ما يحكى عن الحيوان والجماد عليه قوله تعالى :قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[ سورة فصلت ، الآية : 11 ] ولذا جعله تخييلا وليس المراد به الاستعارة التخييلية المشهورة فإن قلت كل الناس يصدق عليهم بنو آدم وذريته فمن المخرج والمخرج منه والكل واحد ، قلت هذا مما استشكلوه والزمخشريّ تخلص منه بحمل بني آدم على قدماء اليهود القائلين عزيز ابن اللّه ، والذريّة على المعاصرين للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كما في البحر الكبير . قوله : ( ويدل عليه قوله قالوا بلى الخ ) أي يدل على أنه تمثيل لا على ظاهره بقية الآية من هنا إلى آخرها لأنه لو أريد حقيقة الإشهاد والاعتراف ، وقد أنساهم اللّه تلك الحالة بحكمته لم يصح أن يقولوا يوم القيامةإِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَويلي جواب ألست قال ابن عباس رضي اللّه عنهما لو قالوا نعم لكفروا لأنّ النفي إذا أجيب بنعم كان تصديقا له فكأنهم قالوا : ألست بربنا ، وقيل عليه إن صح ذلك عنه ففيه أنّ النفي صار إثباتا في تقدير التقرير فكيف يكون كفرا ، وإنما المانع من جهة اللغة وهو أنّ النفي إذا قصد إيجابه أجيب ببلى ، وإن كان مقرّرا بسبب دخول الاستفهام عليه تغليبا لجانب اللفظ ، ولا