أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
مال إلى الدنيا أو إلى السفالة
وَاتَّبَعَ هَواهُ
في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات وإنما علق رفعه بمشيئة اللّه تعالى ، ثم استدرك عنه بفعل العبد تنبيها على أنّ المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه وأنّ عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه ، وأنّ السبب الحقيقي هو المشيئة وإنّ ما نشاهده من الأسباب وسايط معتبرة في حصول المسبب من حيث إنّ المشيئة تعلقت به كذلك وكان من حقه أن يقول ولكنه أعرض عنها فأوقع موقعه أخلدا إلى الأرض واتبع هواه مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه ، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة
فَمَثَلُهُ
فصفته التي هي مثل في الخسة
كَمَثَلِ الْكَلْبِ
كصفته في أخس أحواله وهو
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
أي يلهث دائما سواه حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرّض له بخلاف سائر الحيوانات الضعف فؤاده واللهث إدلاع اللسان عن التنفس الشديد ، والشرطية في موضع
شرح
وملازمتها بيان للمراد من الرفع بالآيات بأنه بملازمتها أي العمل بما فيها . قوله : ( مال إلى الدنيا ) تفسير للإخلاد بالميل لأنّ أصل معناه السكنى واللزوم للمكان من الخلود قال ابن نويرة :بأبناء حيّ من قبائل مالك * وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدواولما في اللزوم من الميل إلى المنزل أريد منه ، وقال الراغب : معناه ركن إليها ظانا أنه مخلد فيها ، وقوله أو إلى السفالة ، يعني المراد بالأرض الدنيا أو السفالة قال الطيبي الرواية فيه فتح السين ، وفي الصحاح السفالة بالضم نقيض العلوّ وبالفتح النذالة . قوله : ( وإنما علق رفعه بمشيئة اللّه الخ ) ردّ على الزمخشري فإنه أوّل قوله ولو شئنا فقال المراد بالمشيئة ما هي تابعة له ، ومسببة عنه كأنه قال ولو لزمها لرفعناه الخ قال النحرير : لما كان ظاهر الآية مخالفا لمذهبه دالا على وقوع الكائنات بمشيئة اللّه تعالى أخلد إلى التأويل بجعل مشيئة اللّه مجازا عن سببها وهو لزوم العمل بالآيات بقرينة الاستدراك بما هو فعله المقابل للزوم الآيات وهو الإخلاد إلى الأرض والميل إلى الدنيا لكنه ذهب عن أنّ هذا مصير إلى المجاز قبل أو أنه لجواز أن يكون ، ولو شئنا على حقيقته وأخلد إلى الأرض مجازا عن سببه الذي هو عدم مشيئة الرفع بل الإخلاد وإنما ترك التعويل على عكازته في مثل هذا المقام ، وهو حمل المشيئة على مشيئة القسر والإلجاء لأنّ الاستدراك بقوله ، ولكنه أخلد لا يلائمه لفوت المقابلة . قوله : ( فأوقع موقعه أخلد إلى الأرض واتبع هواه مبالغة ) فإنّ الإخلاد إلى الأرض كناية عن الإعراض عن الآيات والكناية أبلغ من التصريح ، وقوله حب الدنيا رأس كل خطيئة أي أصل لها ، ووقع لبعض الناس تصحيف حسن فيه وهو حب الدينار بمعناه المعروف أي كل خطيئة أي أصلها . قوله : ( فصفته التي هي مثل في الخسة ) قال أبو حيان : المثل مشترك بين الوصف وما يضرب والمراد هنا الوصف العجيب المستغرب ، وأشار المصنف إلى أنّ استعماله في تلك الصفة لأنها يتمثل بها وقد مرّ تحقيقه في البقرة ، وقوله وهو راجع لأخس أحواله أو للصفة لكونها بمعنى الوصف .
قوله : ( واللهث إذ لاع اللسان ) بالدال والعين المهملتين أي إخراجه متتابعا مع نفس عال لشدّة