شرح
النظر ولا تسيروا سير الغافلين وأما قوله :سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوافمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح قال النحرير : يعني أنّ كليهما مطلوب لكن الأوّل للثاني وأمّا ثم انظروا فإنما لم يحمل على التراخي لأنّ واجب النظر آثار الهالكين حقه أن لا يتراخى عن السير ، وقيل يجوز أن يكونا واجبين ، وثم لتفاوت ما بينهما كما في توضأ ثم صلّ ، وقال الراغب رحمه اللّه : قيل المراد بالسير المترتب عليه النظر إجالة الفكر ومراعاة أحواله كما روي في وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أبدانهم في الأرض سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة .
( وأورد عليه أبحاث ) الأوّل أنّ واجب النظر لما كان حقه أن لا يتراخى عن السير كان المناسب حينئذ ترك لفظ يوهم خلاف المقصود وإيراد لفظ يفيده بلا إيهام فإنه مما يجب مراعاته كما تقرر في المعاني ، والثاني أن السير من حيث هو سير مباح إلا أن يقيد بقيد يفيد وجوبه فإذا قرن بفاء السببية أمكن حمله على الواجب لأن السير للنظر واجب كالنظر كما أن السير للتجارة مباح كالتجارة فإذا قرن بثم فلا وجه لحمله على الواجب إذ ليس في اللفظ ما يشعر به وبين السير والوضوء فرق لا يخفى على من له ذوق ، وفي كلام النحرير إشارة إلى ضعفه ثم قال : والتحقيق أنه تعالى قال هنا ثم انظروا وفي النملقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ[ سورة النمل ، الآية : 69 ] وفي العنكبوت :قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ[ سورة العنكبوت ، الآية : 20 ] وفي الروم :أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[ سورة الروم ، الآية : 42 ] فلا بدّ من بيان وجه تخصيص هذه الآية بثم ولعله أن الفاء تدلّ على أن السير يؤدّي إلى النظر ، فيقع موقعه بخلاف ثم ولذا وقعت الفاء في الجزاء فهنا لم يجعل النظر واقعا عقب السير متعلقا وجوده بوجوده بل بعث على سير بعد سير لما تقدمه من بعثهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد وأن يستكثروا من ذلك ليروا الآثار في ديار بعد يار إذ قال :أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ[ سورة الأنعام ، الآية : 6 ] الآية فقد دلّ الأوّل على أن الهالكين طوائف كثيرة ، والثاني على أن المنشأ بعدهم أيضا كثيرون ، ثم دعا إلى العلم بالسير في البلاد ومشاهدة آثار أهل الفساد مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من ملاصقة السير بخلاف المواضع الأخر وهو كلام أكثره واه لكن تحريره وتهذيبه يحتاج إلى تطويل فتأمله ، ثم إن أبا حيان رحمه اللّه اعترض على الزمخشري بأن ما ذكره متناقض لأنه جعل النظر مسببا عن السير وهو سبب له ، ثم جعل السير معلولا له حيث قال كأنه قيل سيروا لأجل النظر وأجيب بأن النظر علة للسير باعتبار وجوده الذهني ، ومعلول له باعتبار وجوده العيني كما في عامّة العلل الغائية فلا تناقض فإن السبب قد يكون مقدمة للمسبب غير مقصود في ذاته بل ليقع المسبب نحو سرت ففزت بلقائك