أهلكوا لأجله ، أو فنزل بهم وبال استهزائهم
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
كيف أهلكهم اللّه بعذاب الاستئصال كي تعتبروا والفرق بينه وبين قوله :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا
[ سورة النحل ، الآية : 69 ] أن السير ثمة لأجل النظر
شرح
وبال أمره ، وقيل دار وقيل نزل ومعناه يدور على الإحاطة والشمول ولا يستعمل إلا في الشر قال :فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم * وحاق بهم من بأس ضربة حائقوقال الراغب أصله حق فأبدل من أحد حر في التضعيف حرف علة كتطنب وتطنيب أو هو مثل ذمّة وذامة والمعروف في اللغة ما ذكره المصنف رحمه اللّه قال الأزهريّ : جعل أبو إسحق حاق بمعنى أحاط وكان مادته من الحوق وهو ما استدار بالكمرة وخالفه بعض أهل اللغة فقال إنه يائيّ بدليل حاق يحيق . قوله : ( حيث أهلكوا لأجله الخ ) قيل إنه يعني إن حاق بهم كناية عن إهلاكهم فإسناده إلى ما أسند إليه مجاز عقليّ من قبيل أقدمني بلدك حق لي على فلان ، ولقد أغرب من بين المراد بقوله تعالى :ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَفقال من العذاب الذي كان الرسول يخوّفهم نزوله فلا تجوّز في الإسناد ولا في المسند إليه فإنه لا دليل على أنّ المراد بالمستهزإ به هو العذاب بل المرسل ، وبعد تسليمه فقد اعترف بأنّ المراد بالحيق بهم الإهلاك ومعلوم من مذهب أهل الحق أنّ المهلك ليس إلا اللّه تعالى فإسناده إلى غيره لا يكون إلا مجازا ( قلت ) ما ردّه واستغربه هو ما اختاره الإمام الواحدي واستهزاؤهم بالرسل مستلزم لاستهزائهم بما جاؤوا به وما توعدوا به ومثله لظهوره لا يحتاج إلى قرينة وما توعدوا به هو العذاب ، وحيقه بهم لا شبهة في أنه حقيقة ، وأمّا تفسيره بالإهلاك فليس تفسير الحاق بل بيان لمؤدي الكلام ، ومجموع معناه فلا يرد ما ذكره عليهم . قوله : ( أو فنزل بهم وبال استهزائهم ) نزل تفسير لحاق وقوله : ( وبال ) إشارة إلى أنه على تقدير مضاف كوبال وعقوبة ، وما مصدرية والضمير للرسول الذي في ضمن الرسل أو هي موصولة ، أو هو من إطلاق السبب على المسبب لأنّ المحيط بهم هو العذاب ، ونحوه لا المستهزأ لكنه وضع موضعه مبالغة كما قاله الطيبي . قوله : ( عاقبة المكذبين الخ ) العاقبة مآل الشيء مصدر كالعافية وكيف خبر مقدم لكان أو حال وكان تامة ، وقوله كيف أهلكهم يميل إليه ، وكي تعتبروا علة للأمر بالنظر ، وعذاب الاستئصال من إضافة العام للخاص والاستئصال قلع الشيء من أصله وإنما فسر به لأنّ الإهلاك بدون الاستئصال لا يختص بالمكذبين هذا ، وقد قيل إنما عبر عنهم بالمكذبين دون المستهزئين إشارة إلى أن مآل من كذب إذا كان كذلك فكيف الحال في مآل من جمع بينه وبين الاستهزاء وأورد عليه أن تعريف المكذبين للعهد وهم الذين سخروا فيكونون جامعين بينهما وقد اعترف به هذا القائل أيضا مع أنّ الاستهزاء بما جاؤوا به يستلزم تكذيبه فتأمّل . قوله : ( والفرق بينه وبين قوله قل سيروا في الأرض فانظروا الخ ) في الكشاف فإن قلت أيّ فرق بين قوله فانظروا وبين قوله ثم انظروا قلت جعل النظر مسببا عن السير في قوله : فانظروا فكأنه قيل سيروا لأجل