تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ
تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما يرى من قومه
فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به حيث
شرح
وأعلم أنّ بعض الفضلاء قال هنا أن المقرّر فيما بين القوم إن صدق العكس لازم لصدق الأصل فعلى ذلك التقدير يلزم من كذب اللازم كذب الملزوم فهاهنا عكس القضية الصادقة ، وهي قولنا لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا غير صادق ، لأن عكسها لو جعلناه رجلا لجعلناه ملكا وليس كذلك لأنه تعالى قد جعله رجلا ولم يجعله ملكا فكيف يكون قضية العكس وهو كاذب ، والأوّل صدق محض فإن قيل إنه اصطلاح طرأ ولا يجب موافقة قاعدتهم لقاعدة اللغة قيل إنه تقرّر أنّ تلك القاعدة غير مخالفة لقاعدة اللغة وأنها مما لا خلاف فيه . وأجيب بأنّ لو تستعمل في اللغة لمعنيين الأول : انتفاء الثاني لانتفاء الأوّل الثاني : أن الخبر الأوّل لازم الوجود في جميع الأزمنة إذا كان نقيض الشرط أليق باستلزام الجزاء فيلزم وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه كما في نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه ، وقد صرح المحققون بأن الآية سواء جعل ضمير جعلناه للمطلوب أو للرسول إمّا من قبيل الأوّل أي ولو جعلنا قرينا لك ملكا يعاينوه أو الرسول المرسل إليهم ملكا لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل ، وما جعلنا ذلك الملك في صورة رجل لأنا لم نجعل القرين أو الرسول المرسل إليهم ملكا وأمّا من قبيل الثاني أي ولو جعلنا الرسول ملكا لكان في صورة رجل فكيف إذا كان إنسانا وكل منهما لا يقبل العكس المذكور ولا ثالث فلا إشكال وليس محل البسط فيه ، وإنما ذكرته لأنبهك فلا تكن من الغافلين . قوله : ( تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخ ) يصح في التسلية أن تكون بقوله ولقد استهزئ برسل من قبلك فقط ، ويحتمل أنها به مع ما بعده لأنه متضمن أنّ من استهزأ بالرسل عوقب فكذا من استهزأ بك إن أصرّ على ذلك فلا تلتفت إلى من تكلف هنا ما لا حاجة إليه . قوله : ( سخروا منهم ) في القاموس هزأ منه وبه وسخر منه وبه ، فهما متحدان معنى واستعمالا فلا وجه لما قيل السخرية والاستهزاء بمعنى لكن الأوّل قد يتعدى بمن والباء لكن في الدرّ المصون إنه لا يقال إلا استهزى به ولا يتعدى بمن ، ثم قال الجارّ متعلق بسخروا والضمير راجع إلى الرسل وقيل إلى المستهزئين وقيل إلى أمم الرسل ومن للبيان ، ويردّ الأول بأنه يؤول المعنى إلي فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين ، ولا فائدة لهذه الحال لانفهامها من سخروا ، والثاني بأنه يلزم إرجاعه إلى غير مذكور والجواب أنه مبنيّ على أنّ الاستهزاء والسخرية بمعنى وليس بلازم لأنّ من فسره بهذا يجوز أن يجعل الاستهزاء بمعنى طلب الهزء فيصح بيانه ولا يكون في النظم تكرار ، قال الراغب رحمه اللّه : الاستهزاء ارتياد الهزء وإن كان قد يعبر به عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتيادا للإجابة وإن كانت قد نجري مجرى الإجابة انتهى ، وأمّا رجوع الضمير إلى الأمم فقد ذكره الحوفي ورده أبو حيان بما ذكر وأجاب عنه في الدر المصون بأنه في قوّة المذكور . قوله : ( فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به ) فسر حاق بمعنى أحاط وفسره الفراء يعاد عليه
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 38 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي