أو جهالة بحقيقة الرؤية
قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيقه وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضا دليل الجواز ضرورة
شرح
يرتفع الإشكال لأنّ القوم لما اعترفوا بأنّ العين لا تبقى على هذه الصفة بل يخلق اللّه فيها استعدادا لرؤيته تعالى ، وخصومهم أنكروا الرؤية والعين هذه العين بمشخصاتها أجمع فالصلح خير :فمن لي بالعين التي كنت ناظرا * إليّ بها قبل القطيعة والصدقوله : ( يريد أن يبين به أنه لا يطيقه الخ ) يعني ليس المقصود نفي الرؤية بل نفي لطاقته لها في هذه الدار الدنيا ، ثم إنّ قولهم المعلق على الممكن ممكن قالوا عليه : منع ظاهر إذ الممكن ربما يستلزم المحال وإن كان بحسب الغير لا بحسب ذاته فإنّ عدم المعلول الأوّل يستلزم عدم الواجب لأنّ عدم المعلول لا يكون إلا بعدم علته ففي هذه الصورة لا يلزم من تعليق اللازم على الملزوم الممكن إمكان صدق الملزوم بدون اللازم لأنّ الملزوم ليس هو الممكن من حيث ذاته بل من حيث هو مأخوذ مع الغير ، وهو من هذه الحيثية ممتنع فإنّ عدم المعلول الأوّل إذا اعتبر في نفسه فعدمه ممكن ، ولا يستلزم عدم الواجب من هذه الحيثية وإن اعتبر من حيث إنّ وجوده واجب بالعلة فعدمه ممتنع بها ومستلزم لعدمها ، ولكن ليس عدمه ممكنا بالذات من هذه الحيثية حتى يلزم إمكان لازمه ، وإمكان صدق الملزوم بدون اللازم على تقدير كون اللازم محالا إذ لا يلزم من إمكان العدم نظرا إلى ذاته إمكان العدم الممتنع بالغير أبدا بالنظر إليه ولا يلزم من ذلك كونه واجبا لذاته ، وإنما يلزم أن لو امتنع نسبة العدم إليه لذاته فإذا كان المعلق عليه هنا استقرار الجبل من حيث هو يلزم من إمكانه مكان المعلق أما إذا كان استقراره مع ملاحظة الغير الذي يمتنع الاستقرار عنده فلا يلزم من إمكانه إمكان الرؤية فللمعتزليّ أن يقول إنّ المعلق عليه استقرار الجبل عقيب النظر أي استقرار الجبل مع كون الجبل مقيدا بالحركة فيه فإنّ استقرار الجبل وإن كان ممكنا في نفسه عقيب النظر إلا أنه بحسب تقييده بما ينافيه من الحركة ممتنع بالغير في ذلك الوقت فجاز أن يستلزم المحال ، وتعلق عليه الرؤية من تلك الحيثية وحينئذ لا يرد أن يقال إنّ استقرار الجبل ممكن في نفسه في جميع الأوقات بدلا من الحركة فإن قيل الظاهر أنه علق على استقرار الجبل من حيث هو وإن كان ذلك في الاستقبال ، وكونه ممتنعا بالغير في ذلك الوقت من جهة تقييده بالحركة فيه لا يستلزم أن يوجد المعلق عليه بتلك الجهة ، ولا ينافي أن يكون الظاهر ما ذكرنا قلنا المتبادر لا يدفع احتمال الغير المنافي لليقين وإن كان ذلك الاحتمال احتمالا مرجوحا فإن قلت المتبادر يجب أن يصار إليه إذا لم يدلّ دليل على خلافه بملاحظته يكون ما ذكر مفيدا لليقين قلت فحينئذ يمنع من اللفظ الملقى إلى موسى صلّى اللّه عليه وسلّم حين الإلقاء إليه ، ويحتمل أن يكون حين القائه إليه قرينة حالية أو مقالية دالة على التعليق باستقرار الجبل المقيد بالحركة ولا تكون تلك القرائن منقولة إلينا ، ومجملات كتاب اللّه من هذا القبيل كما حققه بعض علماء الروم .