تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
واللام للاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
من غير وسط كما يكلم الملائكة ، وفيما روي أنّ موسى عليه السّلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على أنّ سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظر إليك ، وأراك وهو دليل على أنّ رؤيته
شرح
النحاة ، وقوله لوقتنا الذي وقتناه أي لتمام الأربعين . قوله : ( من غير وسط كما يكلم الملائكة ) لما لم يمكن المعتزلة إنكار كونه متكلما ذهبوا إلى أنه متكلم بمعنى موجد للأصواب والحروف في محالها أو بإيجاد أشكال الكتابة في اللوح المحفوظ وإن لم تقرأ على اختلاف بينهم ، وقد ردّ بأنّ المتحرّك من قامت به الحركة لا من أوجدها وإلا لصح اتصاف الباري بالاعراض المخلوقة له تعالى عن ذلك علوا كبيرا على ما حقق وفصل في علم الكلام ، ونحن معاشر أهل السنة نثبت الكلام للّه والقائم بذاته هو الكلام النفسي وقال الشهرستاني : بل اللفظي القديم على ما حقق في شرح المواقف فعليه اللّه متكلم له أن يكلم مخلوقاته بكلام لفظي من غير واسطة ، وعلى الأوّل أيضا كذلك بأن يخلق فيه قوّة يسمع بها ذلك من غير صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة من غير كمّ ولا كيف وكلام المصنف رحمه اللّه مجمل اقتصر فيه على المرتبة المتيقنة فكأنه قال كلمه بالذات كما يكلم الملائكة ، ولذا اختص موسى صلّى اللّه عليه وسلّم باسم الكليم والمراد بالسماع من كل جهة عدم اختصاص ما سمعه بجهة من الجهات ، وكذا قوله تنبيه على أنّ سماع كلامه القديم الخ اقتصر فيه على المقدار المتفق عليه بين أهل السنة ، ولعمري لقد سلك المحجة الواضحة . قوله : ( أرني نفسك الخ ) فيه إشارة إلى أنّ المفعول محذوف لأنه معلوم ولم يصرّح به تأدبا ، ولما كانت الرؤية سببة عن النظر متأخرة لأنّ النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته والرؤية الإدراك بالباصرة بعد النور خطر بالبال أنه كيف جعل النظر جوابا لأمر الرؤية مسببا عنه فيكون متأخرا عنها وهي مقارنة له بالزمان ، وإن كانت متقدّمة بالذات فأشار إلى توجيهه بأنّ المراد بالإراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقا ، أو التجلي وهو الظهور وهو مقدّم على النظر وسبب له كما أشار إليه بقوله فأنظر ، وهذا بطريق الكناية إذ ذكرها وأراد لازمها من التمكين أو التجلي إذ لو كان بيانا لطريقها كما قيل لم يندفع المحذور فتدبر . قوله : ( وهو دليل على أنّ رؤيته تعالى جائزة في الجملة ) يعني بقطع النظر عن الدنيا والآخرة لأنّ طلب المستحيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام محال لأنه إن علم باستحالته فطلبه عبث ، وإن لم يعلم فجهل وكلاهما غير لائق بمنصب النبوّة ، وقد قالوا نختار أنّ موسى صلّى اللّه عليه وسلّم لم يعلم امتناع رؤيته ولا يضرّ ذلك ، لأنّ النبوّة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة وجميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بل على ما يتوقف عليه الغرض من البعثة والدعوة إلى اللّه تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بأوامر ونواه ليحرضهم على النعيم المقيم ، ولا نسلم أنّ امتناع الرؤية من هذا القبيل ، أو نختار أنه يعلم امتناعها وسؤاله لغرض ، أو هو محرّم ارتكبه لأنه صغيرة وردّ بأنه يلزمهم أن يكون الكليم صلّى اللّه عليه وسلّم دون آحاد المعتزلة علما ودون من حصل طرفا من الكلام في